عرض الإسلام على القبائل

كانت الكعبة مهوى أفئدة العرب ، يحجون إليها من كل حدب وصوب ، حيث إنهم

يقدسونها لأنهم يعلمون أنها من بناء إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما السلام ،

وكانوا ينزلون في الأسواق تقام في أوقات معينة كسوق عكاظ وذي مجاز وذي المجنة ،

فكان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ينتهز فرصة قدوم العرب إلى هذه الأسواق ،

لينشر الدعوة فيما بينهم ، فوقف على قبيلة كندة {11} ، ودعاهم عليه السلام إلى الله

تعالى وعرض نفسه عليهم ، فلم يقبلوا ما عرض عليهم ، ثم وقف على قبيلة بني حنيفة

فدعاهم إلى الله ، فكان ردهم قبيحا ، ثم وقف على قبيلة بني عامر ودعاهم إلى الإيمان بالله

عز وجل فرفضوا . إلى أن هيأ الله عز وجل له قبلتي الأوس والخزرج سكان مدينة يثرب ،

الذين سموا فيها بعد الأنصار ، والذين حضروا مواسم الأسواق ، فالأوس كانت من ولد

أوس ، والخزرج كانت من ولد خزرج ، وأوس وخزرج أخوان ، وكانت بين أولادهما

عداوة كثيرا ما تنتهي بإعلان الحرب ، وكان يجاورهم في المدينة أقوام من اليهود

يعرفون باسم : بني قينقاع ، وبني قريظة وبني النضير ، ولما اشتد الخلاف بين الأوس

والخزرج ، حالف الأوسيون بني قريظة ، وحالف الخزرجيون بني قينقاع وبني النضير ،

وكان يوم بعاث آخر يوم قتالهم حيث لم يبق من زعمائهم سوى عبد الله بن أبي ابن أبي

سلول الخزرج ، وأبو عامر الراهب الأوسي ، وعندما دعاهم رسول الله ، صلى الله عليه

وآله وسلم ، إلى الإيمان بالله ، رأوا في ذلك خلاصا مما هم فيه ، فقد سار رسول الله ،

صلى الله عليه وآله وسلم حتى وصل إلى جمرة العقبة ، والتقى هناك مع عرب يثرب الذين

كانوا كلهم من الخزرج ، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن فقالوا

لبعضهم : يا قوم إنه والله النبي المنتظر الذي تكلم عنه اليهود ، فلا يسبقنكم إليه أحد .

فصدقوا وآمنوا بما جاء به ، ثم واعدوه أن يرجعوا إليه ، بعد أن يعرضوا أمره على

قومهم ، وعندما وصلوا إلى المدينة كانت أخبار رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم قد

سبقتهم ، فدعوا أهلها إلى الإسلام حتى انتشر فيهم وعندما حان الموعد المحدد ، خرج

من المدينة اثنا عشر رجلا بين خزرجي وأوسي فرحين مبتهجين بلقاء رسول الله ، صلى

الله عليه وآله وسلم وفي العقبة تم اجتماعهم برسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ،

فجددوا إسلامهم ، وبايعوه بيعة العقبة الأولي ، على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا

يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان ، ولا يعصوه في معروف .

ولما أرادوا الرجوع إلى أهلهم طلبوا من رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يبعث

معهم من يعلم القرآن والإسلام ، فبعث معهم مصعب ابن عمير رضي الله عنه ، الذي أخذ

بدوره ينشر الإسلام في دور المدينة ، حتى لم يبق بيت لم يدخل الإسلام فيه . ثم أن أهل

المدينة عقدوا العزم على أن يذهبوا إلى أهل مكة ويدعوا رسول الله ، صلى الله عليه وآله

وسلم للانتقال إلى بلدهم فإلى متى يطوف على القبائل ؟؟ وإلى متى يلقى من بعضهم

الأذى فغادر المدينة مؤلف من ستين خزرجيا ، وأحد عشر أوسيا ، وامرأتان وهما :

نسيبة بنت كعب النجارية ، وأسماء بنت عمرو السليمة ، وذلك في العام الذي تلي البيعة

الأولى ، ثم اتصلوا بالنبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، سرا عن طريق مصعب بن عمير ،

في شعب {12} القصبة ليلا . وكان مع النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عمه العباس

بن عبد المطلب ، وهو على دين قومه ، إلا أنه كان يريد أن يطمئن على ابن أخيه حيث

قال يا معشر الخزرج ، يا معشر الأوس ، إنكم لتعلمون أن محمدا منا وهو في عز

ومنعة ، وإنه قد اطمأن إليكم ، فإن كنتم ترون أنكم تفون له بما وعدتموه فأنتم وذلك

وإن كنتم ترون أنكم خاذلوه فدعوه فإنه في عز ومنعة ، ثم إن النبي صلى الله عليه

وآله وسلم . دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم شيئا من القرآن وقال : " أبايعكم على أن

تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " فقال البراء بن معرور : نعم ، فو الله الذي

بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن والله

أبناء الحروب لا نخشى الموت في سبيل الله . ووقف أحد الأنصار وقال : يا رسول الله إن

بيننا وبين اليهود عهود ومواثيق وإنا قاطعوها ، فهل تتركنا وتدعنا إن نصرك الله تعالى

؟ فتبسم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : " بل الدم الدم ، والهدم الهدم {
13}
" ثم تقدم آخر وقال : يا معشر الخزرج ، إنكم تبايعون رسول الله ، صلى الله عليه وآله

وسلم ، على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم

وأصيب أشرافكم أسلمتموه وخذلتموه فمن الآن ، فهو الله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة .

فقالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف . ثم قالوا : ابسط يدك يا رسول الله

، فبسط يده الشريفة فبايعوه مصافحة ، أما المرأتان فقد بايعهما رسول الله ، صلى الله

عليه وآله وسلم ، بدون مصافحة ، وسميت هذه البيعة بيعة العقبة الثانية . وفي الصباح

انتشر خبر البيعة ، فتوجهت جماعة من قريش إلى منازل الأنصار وقالوا لهم : يا معشر

الخزرج بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا ؟ فانبعث

رجال من الخزرج لم يحضروا البيعة ولم يخبروا بها ، وجعلوا يحلفون أنهم لم يفعلوا

شيئا من هذا ، ثم توجه القرشيون إلى عبد الله بن أبي ، الذي رشح ليكون ملكا على

الخزرج ، والذي قال عندما سمع بالنبأ : إن هذا الأمر جسيم ، وما كانوا قومي ليفعلوا

شيئا دون علمي ، أما المسلمون من الأنصار والخزرج فقد أمرهم رسول الله ، صلى الله

عليه وآله وسلم ، أن يرحلوا مسرعين إلى المدينة قبل أن يلحق بهم المشركون

قبيلة كندة: أهالي حضرموت 11
الشعب: أي الوادي 12
أي: أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم 13