الفصل الثاني
الطائرة والمفاجأة
ها أنا أخطو خطواتي على متن الطائرة وأجول في ممراتها بصحبة المضيفة الفلبينية نبحث عن أهلي ، فسألتني: في أي درجة هم؟؟
فجال في خاطري شيء من الغضب وقلت في نفسي: لماذا نسوني؟ وكيف؟ ألا أهمهم لهذه الدرجة ؟؟ لكني سألقنهم درسا لن ينسوه وسأعرفهم من هي [هند] ، وسيندمون على فعلتهم هذه.
فقلت للمضيفة بكل ثقة ووقار:
* إنهم في الدرجة السياحية ولكنني قد حجزت مسبقا في درجة رجال الأعمال لأني لا أحب ضجة العائلات و ينتابني صداع من شقاوة وصراخ الأطفال ، فقط جدي لي مكان أجلس فيه.
- على الرحب والسعة ولكن اعذرينا فتذكرتك قد ضاعت بين التذاكر التي تبعثرت،ولا نعلم أي مقعد مخصص لكي بالضبط.
وفي أثناء تجولنا في الطائرة انبهرت من صورة المقاعد وهي ملئا بركاب من مشارق الكوكب ومغاربه ، كلهم متوجهون إلى لندن.
أشارت لي المضيفة إلى إحدى المقاعد : تفضلي يا آنسة.. هذا مقعدك .
فالتفتت إلى الكرسي فانتابني شعور بالخوف والفزع بل بالرعب الشديد ، فمن سيرافقني لساعات هو رجل زنجي أسمر، ضخم الجثة.. شعره أجعد مجدل، طويل القامة لدرجة أن رأسه يكاد يصل لسقف الطائرة، يغلب على ملامحه الطابع الإجرامي وكأن وجهه نحت في خشب.. لا انفعال فيه .
لم أجرؤ على التفوه بكلمة خشية غضب الوحش الذي كتب علي الجلوس بجانبه.
جلست وأمري إلى الله، فإذ به يحييني بالإنجليزية:
- مرحبا.. أتمنى ألا يزعجك جلوسي بجانبك .
* أهلا .. لا بأس هذا يناسبني.
وبعد قليل حدثني قائلا:
- دبي مدينة سياحية عظيمة, أليس كذلك؟
فرددت عليه وشفتاي ترجف خشية أن أخطة في الحديث معه :
* هاه ، أجل.. هي كذلك.
وبعد ساعة تقريبا قدم لنا طعام الفطور لأن الطائرة قد تحركت في الساعة 6:00 صباحا ..
فقدمت المضيفة له طعام الفطور أولا. ولكنه رد عليها بهيجان قائلا:
- قدمي للآنسة طعامها أولا ألم تسمعي بالمثل القائل (( النساء أولاً ))؟
شعرت في تلك اللحظة أنه يود لو يلتهم المضيفة .
فارتبكت هي الأخرى واعتذرت لي وقدمت لي الفطور وهو كذلك.
وبعد انقضاء أربع ساعات تقريبا شعرت بالنعاس فصرت أتثاءب بشكل كبير و كنت أشعر في كل مرة أن فكي يكاد ينخلع.
فالتفت إلي الوحش وقال: ألا يمكنك إغلاق فمك الكبير .
وذهب بعدها إلى المضيفة يحدثها في أمر ما.
فاشتعل الغضب في نفسي وقلت: كيف يجرؤ على نعت فمي بالكبير؟!.. ألا ينظر إلى نفسه.. كل ما فيه كبير فعيناه جاحظتان وأنفه أفطس عريض وفمه كالمغارة وأذنيه كأذن الفنجان.. لا شيء في ملامح وجهه قد شم رائحة الجمال .
وفي ظل تذمري فإذا به قادم ويقول لي: تفضلي هذا لك..
فالتفتت ورائي وبت أقول: هو غريب حقا.. ينعت فمي بالكبير ومن ثم يأتيني بفراش ووسادة ، ربما الوحوش غريبي الأطوار هكذا.
لم يرق لي هذا الوحش بتاتا فشكله وهيأته لا تطمئنان بخير، ولكنه سرعان ما رجع يحادثني مرة أخرى:
- بالمناسبة، هل أنت مسافرة لوحدك.
* لا.. بل مع أسرتي.
- إن السفر مع العائلة لشيء رائع حقا.
كانت لهجته أمريكية صعبة، وأنا أعرف الإنجليزية ولكنني لا أتقنها باحتراف، فلاقيت صعوبة في فهم كلامه.
نهضت بعدها بقليل من مكاني.. حاول أن يستوقفني ولكني عللت له بأني أود الذهاب لدورة المياه لأني قد أصبت بدوار الطائرة وأشعر برغبة في التقيؤ ، فأطلق سراحي أخيرا .
فمثلت ذلك حتى وصلت لدورة المياه ومن ثم أسرعت إلى المضيفة أرجوها أن تغير مقعدي، ولكنها أجابتني باستياء: إذا لم نجد مقعدا شاغر فإن الأمر يبدو لي صعب جدا.
فبدأت هي بالبحث وبدأت أنا بالدعاء أرجو الله من كل قلبي أن يخلصني من ذلك الوحش المرعب .
حمدا لله.. أخيرا.. ها هو الكرسي المنقذ ..
فجلست بجانب فتاة تبدو آسيوية الجنس شعرها أسود قصير لا شك أن نعومته طبيعية لم يحرق بمصفف الشعر كحالي كل صباح، لفتتني أناقتها فألقيت عليها التحية بالانجليزية:
* مرحبا, سررت بلقائك.
- مرحبا سعيدة بلقائك أيضا.. أنا [ماكينو ميزوكي].
* أنا من الإمارات اسمي المستعار هو [سوجرو كايري].
هكذا هي الأسماء اليابانية تلفظ كالأمريكية الاسم الأخير ومن ثم الاسم الأول.
- يبدو أنك تحبين اليابان، هل يمكنني معرفة اسمك الحقيقي؟.
* هذا سر، ستعرفينه إذا قبلتي صداقتي و أصبحنا صديقتان.
- بهذه السرعة !
* نعم، فأنا أهوى تكوين صداقات من مختلف بلدان العالم .
بدا لي أن لهجتها أمريكية متقنة فأدركت أنها من تلك البلاد .
سادت لحظات صمت ومن ثم سألتها: ما هو سبب زيارتك لدبي أللسياحة؟
- نعم, ولكن السبب الرئيسي هو أني كنت في جلسة تصوير لإحدى المنتجات الاستهلاكية في دبي الأسبوع الماضي.
* اهاا.. جميل، دبي دائما تستقطب سياح ورجال أعمال من مختلف بلدان العالم.
- بالتأكيد, وماذا عنك.. لماذا أنت مسافرة، يبدو لي أن دبي موطنك.
* طبعا, أنا الآن في رحلة عمل لكي أدير صفقة إلكترونيات لشركة والدي.
- مذهل, هل لوالدك شركة الكترونيات؟!
* بالطبع, لقد أسلفت وذكرت بأن دبي مركز رجال الأعمال ووالدي من أنجحهم .
كم تمنيت لو أن والدي يملك شركة الكترونيات فقد استغليت كبر هيئتي حيث أن عمري يبدو أكبر بعشر سنين من عمري حقيقي – كما يقال - مع أني لم أتجاوز المرحلة الثانوية ، فانقضت الكذبة على المسكينة [ميزوكي] .
تعودت على تأليف قصص وكذبات محكمة وذات حبكة قوية ولكنه أمر يسعدني للحظات مع أنه يضايق من حولي، لي دراية كبيرة بأن هذا الأمر بالغ السوء ولكنها عادة منذ صغري اعتدت عليها ولا أستطيع تركها.
وبعد مضي ساعات، أتت المضيفة وأخبرتنا بأن الطائرة ستهبط بعد قليل، فقلت لـ [ميزوكي]:
* مع أني أخاف الهبوط إلا أني أكاد أتحرق شوقا للبلاد التي تنتظرني بعد قليل .
- بالطبع, وأنا أكثر لأني سأعود لوطني الحبيب.
لحظة.. ماذا كانت تقول؟!.. بلدها !..ألطائرة متوجهة لأمريكا؟؟..ألن نذهب إلى لندن.. بل أمريكا!! لا..لا..غير معقول ..
ترى هل حدثت لي حادثة الصبي الأمريكي حقا ؟.. هل ضعت؟.. مستحيل ...
هرولت إلى المضيفة أسألها بكلمات مبعثرة:
* هل..هل الطائرة ستهبط في أمريكا؟؟؟
- ابتسمت المضيفة وأجابت بلطف: أتسافرين ولا تعرفين وجهة الطائرة التي تحملك؟!
فصرخت في وجهها من شدة الغضب والتوتر : قلت لك هل الطائرة متوجهة إلى أمريكا؟ إنه سؤال واضح.
- هدئي من روعك، اطمئني لسنا متوجهون إلى أمريكا--
وقاطعتنا مضيفة أخرى تخبرها عن أمر أحد الركاب.
آآآه.. كم أنا مرتاحة البال الآن ..فرجعت إلى كرسيي وارتميت عليه.
لمست في [ميزوكي] بأنها لم تكن فضولية ولم يكن لديها حب استطلاع مثلي.. فلم تسألني عن تصرفاتي المفاجأة أو عن نهوضي وهرولتي للمضيفة والغريب أيضا أنها لم تسلني عن حجابي مع أني قد توقعت مثل هذا السؤال مسبقا، ولكن ما أثار رهبتي حقا هو تحديق أحد الركاب علي بشكل يثير الانتباه ولكن ربما هو الآخر يتساءل عن السؤال الذي توقعته.
شعرت فجأة بألم شديد في أذني.. توقعت مثل هذا الشيء أيضا بالنسبة للهبوط، فارتديت سماعات كانت مرفقة مع المقعد الخاص بي عل وعسى أن تخفف الألم الفظيع الذي ينتابني.
التفتت إلى الستارة التي تفصل بين الدرجة السياحية والدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، تصورت في تلك اللحظة إخوتي ووالداي.. هل هم بخير.. هل يتألمون مثلي .. أنبت نفسي تارة على تركهم يقلقون علي وأنبتهم تارة أخرى على نسيانهم لي.. لم أقرر في تلك اللحظة بعد من هو المذنب..
وإذ بها المضيفة تتحدث إلى الركاب، لم أسمع كلمة مما تقول بسبب السماعات التي أرتديها وصوتها المرتفع.. ولكنني أدركت بأن الطائرة قد وصلت أخيرا..
بدأ الناس بالتحرك والخروج من الطائرة ، تلفتت إلى الستارة مرة أخرى ولكن لم أعلم لماذا قسا قلبي فجأة تجاه أهلي، ربما غضبي الشديد قد طغى على مشاعر الشوق تجاههم فقد نسوا أن لديهم ابنه ستسافر معهم .. نعم ابنة.. لا حيوان أليف.. إنهم هكذا دائما يهملونني ولكن لم أتوقع أن درجة الإهمال ستصل لهذا الحد .
توجهت لباب الخروج من الطائرة وقبل أن أخرج سألت المضيفة - وقدمي خارج الطائرة والأخرى داخلها – عن الإجراءات اللازم علي إتباعها كي تكتمل التمثيلية.
أخبرتي المضيفة بدورها بالتفصيل عن تلك الإجراءات، وبعدها حنت قامتها الطويلة ورحبت بي ولكنها لم ترحب بي فحسب ..وإنما قالت ما لم أتوقعه..لم أصدق ما تقول .. هل هي جادة؟
تلطفت بي المضيفة وأعادت جملتها حينما رأتني متسمرة أمامها كالصخرة: لماذا يا آنسة أنت متفاجئة لهذه الدرجة؟؟، على العموم أهلا وسهلا بك في بلدك الثاني اليابان نتمنى لك إقامة سعيدة وموفقة.
نعم.. هي جادة كررت جملتها عدة مرات لا أصدق .. أخيرا ..ها أنا اليوم بين كفي اليابان.. أخيرا..أخيرا..
آه.. نعم.. إذا هذا هو موطن [ميزوكي] التي جلست جواري.. والمضيفة.. لم تكن فلبينية إنما هي يابانية ..نعم يابانية..كيف لم أنتبه أن معظم الركاب من شرق آسيا؟!..كيف؟!
حمدا لله.. أشكرك يا رب..كم أحمل لك يا والدي جزيل الامتنان والعرفان.. هذه أجمل مفاجأة من الممكن أن ألقاها في حياتي.. نعم.. ما أجملها من مفاجأة..
فرجعت إلى داخل الطائرة بسرعة الريح.. رجعت لأشكر والدي..وأسرتي الحبيبة..
كم أنا آسفة على جعلكم تقلقون علي ، ولكن لماذا لم تخبروني من قبل.. لاشك أن أمي قد أغرقت الطائرة دموعا.. كم أنا حمقاء وغبية.. لم أتوقع أن يأخذ والدي أخيرا رغبتي في زيارتي لليابان على محمل الجد..
اقتربت من الستارة التي تفصلني عن أجمل وأعظم أسرة ..وأخيرا.. سألتقي بهم بعد غياب ساعات وساعات طويلة.. فأنا لم أعتد ذلك قط..
تقدمت خطوة فخطوة نحو الستارة وإذا برجل ياباني يبدو أنه كابتن الطائرة ، فحادثني بلباقة باللغة الإنجليزية:
- مرحبا, ماذا تفعلين هنا؟ يجدر بك النزول مع الركاب للمطار.
* أ..آسفة ولكنني أبحث عن عائلتي .. إنها عائلة كبيرة جدا.. إنها ربما من 15 فردا تقريبا.
- تبحثين عن عائلتك! جميع الركاب قد نزلوا.
فتحت الستارة بقوة فإذ بكلام الكابتن صحيح 100% ، لا ركاب في الطائرة ، فتساءلت بالإنجليزية لا إراديا: أنسوني مرة أخرى ؟!
حاولت اللحاق بهم بسرعة.. ولكن استوقفني الكابتن قائلا: من هم الذين نسوك.. لم يكن هناك عائلات كبيرة في هذه الرحلة، وإنما اقتصرت على عائلات تتكون من 4 أفراد كحد أقصى.
مستحيل.. لا ...إذا فهم نسوني في المطار حقا..لماذا؟.. لماذا كل هذه المفاجآت؟!..
??? ماذا علي أن أفعل؟؟؟
****