المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
البدايه والنهايه
منتديات جزيرة الاحلام > شاطىء الايمان > مع الحبيب المصطفى > السيره النبويه
عاشق الساهر
هذا الكتاب من اروع كتب القصص الدينيه والسيره النبويه وقصص الصحابه والتابعين

ولعينى الله على وضعها كامله هنا

كان بلامكان نقل الكتاب كاملآ ولكنى اتمنى ان تتابعون اجزائه معى كما تابعتهامن قبل والله المستعان





بسم الله الرحمن الرحيم


سنبدأ سرد الكتاب من الجزئ الاول ولتحديد من


صفة خلق العرش والكرسي





قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 15‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 116‏]‏‏.‏

وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 26‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 14 -15‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏‏.‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 2‏]‏‏.‏ في غير ما آية من القرآن‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 75‏]‏‏.‏

وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب‏:‏ ‏(‏‏(‏لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/11‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا يحيى بن العلاء، عن عمه شعيب بن خالد، حدثني سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن عباس بن عبد المطلب، قال‏:‏ كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالبطحاء، فمرت سحابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أتدرون ما هذا‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ قلنا السحاب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والمزن‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلنا‏:‏ والمزن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والعنان‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فسكتنا‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل تدرون كم بين السماء والأرض‏؟‏‏)‏‏)‏

قال قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بينهما مسيرة خمسمائة سنة‏.‏ ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة‏.‏ وكشف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة‏.‏

وفوق السماء السابعة بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء‏)‏‏)‏‏.‏

هذا لفظ الإمام أحمد، ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، من حديث سماك بإسناده نحوه‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك، ووقفه‏.‏

ولفظ أبي داود‏:‏ ‏(‏‏(‏وهل تدرون بُعد ما بين السماء والأرض‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ لا ندري‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة‏)‏‏)‏ والباقي نحوه‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ حدثنا عبد الأعلى بن حماد، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد الرباطي، قالوا‏:‏ حدثنا وهب بن جرير‏.‏

قال أحمد‏:‏ كتبناه من نسخته، وهذا لفظه، قال حدثنا أبي، قال سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن يعقوب بن عقبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال‏:‏ يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك أتدري ما تقول‏؟‏

وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه‏.‏

ثم قال‏:‏ ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك‏.‏

ويحك أتدري ما الله‏؟‏‏!‏ إن عرشه على سمواته لهكذا‏.‏

وقال‏:‏ بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الزحل بالراكب‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن بشار في حديثه‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏)‏ وساق الحديث

وقال عبد الأعلى‏:‏ وابن المثنى، وابن بشار، عن يعقوب بن عقبة، وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه، عن جده‏.‏

قال أبو داود‏:‏ والحديث بإسناد أحمد بن سعيد، وهو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم‏:‏ يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ورواه جماعة منهم عن ابن إسحاق، كما قال أحمد أيضا‏.‏

وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني، تفرد بإخراجها أبو داود‏.‏

وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي جزءا في الرد على هذا الحديث سماه‏:‏ ببيان الوهم والتخليط، الواقع في حديث الأطيط‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/12‏)‏‏.‏

واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار، راويه، وذكر كلام الناس فيه، ولكن قد روي هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق‏.‏

فرواه عبد بن حميد، وابن جرير، في ‏(‏تفسيريهما‏)‏، وابن أبي عاصم، والطبراني، في كتابي ‏(‏السنة‏)‏ لهما، والبزار في ‏(‏مسنده‏)‏، والحافظ الضياء المقدسي في ‏(‏مختاراته‏)‏، من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال‏:‏

أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ ادع الله أن يدخلني الجنة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فعظَّم الربَّ تبارك وتعالى‏.‏

وقال‏:‏ إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً، كأطيط الزحل الجديد من ثقله‏)‏‏)‏‏.‏

عبد الله بن خليفة هذا‏:‏ ليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه موقوفاً، ومرسلا، ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة، والله أعلم‏.‏

وثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏:‏ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏إذا سألتم الله الجنة، فسلوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن‏)‏‏)‏‏.‏

يروى ‏(‏وفوقَه‏)‏ بالفتح على الظرفية، وبالضم، قال‏:‏ شيخنا الحافظ المزي، وهو أحسن، أي وأعلاها عرش الرحمن‏.‏

وقد جاء في بعض الآثار‏:‏ أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش، وهو تسبيحه وتعظيمه وما ذاك إلا لقربهم منه‏.‏

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏

‏(‏‏(‏لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر الحافظ ابن الحافظ‏:‏ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في كتاب ‏(‏صفة العرش‏)‏ عن بعض السلف‏:‏ أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بُعد ما بين قطريه، مسيرة خمسين ألف سنة‏.‏

وذكرنا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ أنه بعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة‏.‏

وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس، والأثير‏.‏

وهذا ليس بجيد، لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضاً فإنه فوق الجنة، والجنة فوق السموات، وفيها مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك‏.‏

وأيضاً فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 23‏]‏ وليس هو فلكاً، ولا تفهم منه العرب ذلك‏.‏ والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏

وقد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية، وفوق ظهورهن العرش، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وقال شهر بن حوشب‏:‏ حملة العرش ثمانية‏:‏ أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون‏:‏ سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك‏.‏

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد‏:‏

حدثنا عبد الله بن محمد، هو أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عقبة، عن عكرمة، عن ابن عباس‏:‏

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدَّق أمية يعني ابن أبي الصلت في بيتين من شعره فقال‏:‏

رجل وثور تحت رجل يمينه * و النسر للأخرى وليث مرصد

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏

والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء مطلع لونها متورد

تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

فإنه حديث صحيح الإسناد رجاله ثقات‏.‏ وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال‏.‏ اللهم إلا أن يقال إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم‏.‏ والله أعلم‏.‏

ومن شعر أمية بن أبي الصلت في العرش قوله‏:‏

مجِّدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبناء العالي الذي بهر النا * س وسوى فوق السماء سريرا

شرجعاً لا يناله بصر العيـ * ـن ترى حوله الملائك صورا

صور‏:‏ جمع، أصور‏:‏ وهو المائل العنق لنظره إلى العلو‏.‏ والشرجع‏:‏ هو العالي المنيف‏.‏

والسرير‏:‏ هو العرش في اللغة‏.‏

ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته‏:‏

شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا

وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا

وتحمله ملائكة كرام * ملائكة الإله مسومينا

ذكره ابن عبد البر، وغير واحد من الأئمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 14‏)‏

وقال أبو داود‏:‏ حدثنا أحمد بن حفص بن عبدالله، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه ابن أبي عاصم، ولفظه محقق الطير مسيرة سبعمائة عام‏.‏




عاشق الساهر
وأما الكرسي

فروى ابن جرير من طريق جويبر - وهو ضعيف - عن الحسن البصري أنه كان يقول‏:‏ الكرسي هو العرش، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره‏.‏

وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ أي علمه‏.‏

والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏‏.‏ وقال إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه من طريق سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل‏.‏

وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في ‏(‏تفسيره‏)‏‏:‏ عن أبي عاصم النبيل، عن الثوري، فجعله مرفوعاً‏.‏

والصواب‏:‏ أنه موقوف على ابن عباس‏.‏

وحكاه ابن جرير‏:‏ عن أبي موسى الأشعري، والضحاك بن مزاحم، وإسماعيل ابن عبد الرحمن السدي الكبير، ومسلم البطين‏.‏

وقال السدي عن أبي مالك‏:‏ الكرسي تحت العرش‏.‏

وقال السدي‏:‏ السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش‏.‏

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم‏:‏ من طريق الضحاك، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ لو أن السموات السبع، والأرضين السبع، بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفارة‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثني يونس، حدثنا ابن وهب، قال‏:‏ قال ابن زيد‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏ما السموات السبع في الكرسي إلا كدارهم سبعة ألقيت في ترس‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض‏)‏‏)‏‏.‏

أول الحديث مرسل‏.‏ وعن أبي ذر منقطع‏.‏

وقد روى عنه من طريق أخرى موصولاً‏.‏

فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في ‏(‏تفسيره‏)‏‏:‏ أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، أنبأنا عبد الله ابن وهيب المغربي، أنبأنا محمد بن أبي سري العسقلاني، أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 1/15‏)‏

وقال ابن جرير في ‏(‏تاريخه‏)‏‏:‏ حدثنا ابن وكيع، قال‏:‏ حدثنا أبي، عن سفيان عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سئل ابن عباس عن قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 7‏]‏‏.‏ على أي شيء كان الماء‏؟‏

قال‏:‏ على متن الريح، قال‏:‏ والسموات والأرضون وكل ما فيهن من شيء تحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي‏.‏

وروى عن وهب ابن منبه نحوه‏.‏

وفسر وهب الهيكل فقال‏:‏ شيء من أطراف السموات، يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط‏.‏

وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت‏.‏ وفيما زعموه نظر، لأنه قد ثبت أنه أعظم من السموات السبع بشيء كثير، ورد الحديث المتقدم بأن نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة، وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك‏.‏

فإن قال قائلهم‏:‏ فنحن نعترف بذلك، ونسميه مع ذلك فلكاً فنقول‏:‏ الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك وإنما هو كما، قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه‏.‏ ومثل هذا لا يكون فلكاً‏.‏

وزعم أن الكواكب الثوابت مرصعة فيه لا دليل لهم عليه‏.‏ هذا مع اختلافهم في ذلك أيضاً كما هو مقرر في كتبهم، والله أعلم‏.‏

ghona
تسلم يا ابنى والله
فى انتظار المزيد
عاشق الساهر
اشكرك اخى العزيز

وانتظر القادم ان شاء الله

واعدك ان يكون رائعآ جدآ ومشوقآ جدآ جدآ
عاشق الساهر
ذكر اللوح المحفوظ

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني‏:‏ حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏إن الله خلق لوحاً محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة، يخلق، ويرزق، ويميت، ويحيي، ويعز، ويذل، ويفعل ما يشاء‏)‏‏)‏‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله‏.‏ فمن آمن بالله وصدق بوعده، واتبع رسله، أدخله الجنة‏.‏

قال‏:‏ واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب‏.‏ وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك‏.‏

وقال أنس بن مالك، وغيره من السلف‏:‏ اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ هو عن يمين العرش‏





ما جاء في سبع أرضين

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ حدثنا علي بن عبدالله، أخبرنا ابن علية، عن علي بن المبارك، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض، فدخل على عائشة فذكر لها ذلك‏.‏ فقالت‏:‏ يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أيضاً في كتاب المظالم، ومسلم، من طرق عن يحيى بن كثير به‏.‏ ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة به، ورواه أيضاً عن يونس، عن إبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة بمثله ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا بشر بن محمد، قال‏:‏ أخبرنا عبد الله عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏من أخذ شيئاً من الأرض بغير حقه، خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه في المظالم أيضاً عن مسلم بن إبراهيم، عن عبد الله هو ابن المبارك، عن موسى بن عقبة به، وهو من أفراده‏.‏

وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثني عشر شهراً‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏

ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ‏}‏ أي في العدد‏.‏

كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول، فهذه مطابقة في الزمن، كما أن تلك مطابقة في المكان‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام عن أبيه، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أنه خاصمته أروى في حق، زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان فقال سعيد رضي الله عنه‏:‏ أنا أنتقص من حقها شيئاً‏؟‏ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏يقول من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين‏)‏‏)‏ ورواه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن، وأبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن لهيعة، حدثنا عبد الله ابن أبي جعفر، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود، قال‏:‏ قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم‏؟‏ قال‏:‏

‏(‏‏(‏ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه، فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها‏)‏‏)‏ تفرد به أحمد‏.‏ وهذا إسناد لا بأس به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/21‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، حدثني أبي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏من اقتطع شبراً من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أيضاً، وهو على شرط مسلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا شريح، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قال‏:‏ بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت سحابة فقال‏:‏

‏(‏‏(‏أتدرون ما هذه‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏العنان، وزوايا الأرض، تسوقه إلى من لا يشكرونه من عباده، ولا يدعونه‏.‏ أتدرون ما هذه فوقكم‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الرفيع موج مكفوف، وسقف محفوظ‏.‏ أتدرون كم بينكم وبينها‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مسيرة خمسمائة سنة‏)‏‏)‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتدرون ما الذي فوقها‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مسيرة خمسمائة عام حتى عدَّ سبع سموات‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتدرون ما فوق ذلك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏العرش‏.‏ أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة‏؟‏‏)‏‏)‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مسيرة خمسمائة عام‏)‏‏)‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتدرون ما هذه تحتكم‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أرض، أتدرون ما تحتها‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أرض أخرى، أتدرون كم بينهما‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مسيرة سبعمائة عام حتى عدَّ سبع أرضين‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وأيم الله لو دليتم أحدكم إلى الأرض السفلى السابعة لهبط‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قرأ ‏{‏هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 3‏]‏‏.‏

ورواه الترمذي‏:‏ عن عبد بن حميد، وغير واحد، عن يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، قال‏:‏ حدث الحسن عن أبي هريرة،

عاشق الساهر
فصل في البحار والأنهار


قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 14-18‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 12‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 53‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 19-20‏]‏‏.‏


فالمراد بالبحرين‏:‏ البحر الملح المر، وهو الأجاج، والبحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار، لمصالح العباد، قاله ابن جريج، وغير واحد من الأئمة‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ‏}‏‏.‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 32-34‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 31-32‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 24‏)‏


فامتنَّ تعالى على عباده بما خلق لهم من البحار والأنهار، فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض، وما ينبت منه في جوانبها، الجميع مالح الطعم مر، وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء، إذ لو كان حلوا لأنتن الجو، وفسد الهواء، بسبب ما يموت فيه من الحيوانات، فكان يؤدي إلى تفاني بني آدم‏.‏


ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة‏.‏ ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحر قال‏:‏ ‏(‏‏(‏هو الطهور ماؤه، الحل ميتته‏)‏‏)‏‏.‏


وأما الأنهار‏:‏ فماؤها حلو، عذب، فرات سائغ شرابها، لمن أراد ذلك‏.‏ وجعلها جارية، سارحة ينبعها تعالى في أرض، ويسوقها إلى أخرى، رزقاً للعباد‏.‏ ومنها‏:‏ كبار، ومنها‏:‏ صغار، بحسب الحاجة والمصلحة‏.‏


وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار، والأنهار الكبار، وأصول منابعها، وإلى أين ينتهي سيرها، بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى، وأنه فاعل بالاختيار والحكمة‏.‏


وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 6‏]‏‏.‏


فيه قولان‏:‏


أحدهما‏:‏ أن المراد به البحر الذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال‏.‏ وأنه فوق السموات السبع، بين أسفله وأعلاه، كما بين سماء إلى سماء، وهو الذي ينزل منه المطر قبل البعث، فتحيا منه الأجساد من قبورها‏.‏ وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس‏.‏


والثاني‏:‏ أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض، وهو قول الجمهور‏.‏


واختلفوا في معنى البحر المسجور‏:‏ فقيل المملوء، وقيل‏:‏ يصير يوم القيامة نارا تؤجج، فيحيط بأهل الموقف، كما ذكرناه في التفسير، عن علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن مجاهد، وغيرهم‏.‏


وقيل‏:‏ المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى، فيغمر الأرض ومن عليها، فيغرقوا‏.‏


رواه الوالبي عن ابن عباس، وهو قول السدي وغيره، ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطاً بالساحل، قال‏:‏ لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ حدثنا عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏ليس من ليلة، إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات على الأرض، يستأذن الله عز وجل أن يتفصح عليهم، فيكفه الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 25‏)‏


ورواه إسحاق بن راهويه، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال‏:‏ خرجت ليلة لمحرس، لم يخرج أحد من المحرس غيري، فأتيت الميناء، فصعدت، فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف، يحاذي برءوس الجبال، فعل ذلك مراراً، وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال‏:‏


حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن يتفصح عليهم، فيكفه الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏


في إسناده رجل مبهم، والله أعلم‏.‏


وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كف شر البحر عن أن يطغى عليهم، وسخره لهم، يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائية، بالتجارات وغيرها، وهداهم فيه بما خلقه في السماء والأرض، من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم، وبما خلق لهم فيه من اللآلىء، والجواهر النفيسة، العزيزة الحسنة الثمينة، التي لا توجد إلا فيه، وبما خلق فيه من الدواب الغريبة، وأحلها لهم حتى ميتتها‏.‏


كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 96‏]‏‏.‏


وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏هو الطهور ماؤه، الحل ميتته‏)‏‏)‏‏.‏


وفي الحديث الآخر‏:‏


‏(‏‏(‏أحلت لنا ميتتان ودمان‏:‏ السمك والجراد، والكبد والطحال‏)‏‏)‏‏.‏


رواه أحمد، وابن ماجه، وفي إسناده نظر‏.‏


وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في ‏(‏مسنده‏)‏‏:‏ وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه قال‏:‏


‏(‏‏(‏كلم الله هذا البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للغربي‏:‏ إني حامل فيك عباداً من عبادي، فكيف أنت صانع بهم‏؟‏‏.‏


قال أغرقهم‏.‏


قال‏:‏ بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد‏.‏


وكلم هذا البحر الشرقي، فقال‏:‏ إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم‏؟‏‏.‏


قال‏:‏ أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد‏.‏ ثم قال لا تعلم أحداً‏)‏‏)‏‏.‏


ما رواه عن سهيل إلا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، وهو منكر الحديث‏.‏


قال‏:‏ وقد رواه سهيل، عن عبد الرحمن بن أبي عياش، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً‏.‏


قلت‏:‏ الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتباً من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات، منها‏:‏ المعروف، والمشهور، والمنكور، والمردود‏.‏


فأما المعروف‏:‏ فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو القاسم المدني قاضيها‏.‏


قال فيه الإمام أحمد‏:‏ ليس بشيء، وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه، كان كذاباً، وأحاديثه مناكير‏.‏


وكذا ضعَّفه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والجوزجاني، والبخاري، وأبو داود، والنسائي‏.‏


وقال ابن عدي‏:‏ عامة أحاديثه مناكير، وأفظعها حديث البحر‏.‏


قال علماء التفسير‏:‏ المتكلمون على العروض، والأطوال، والبحار، والأنهار، والجبال، والمساحات، وما في الأرض من المدن، والخراب والعمارات، والأقاليم السبعة الحقيقية، في اصطلاحهم، والأقاليم المتعددة العرفية، وما في البلدان والأقاليم من الخواص، والنباتات، وما يوجد في كل قطر من صنوف المعادن والتجارات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/26‏)‏


قالوا‏:‏ الأرض مغمورة بالماء العظيم، إلا مقدار الربع منها، وهو‏:‏ تسعون درجة، والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها، لتعيش الحيوانات عليها، وتنبت الزرع، والثمار منها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 10 -13‏]‏‏.‏


قالوا‏:‏ المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه، أو أكثر قليلاً، وهو خمس وتسعون درجة‏.‏


قالوا‏:‏ فالبحر المحيط الغربي، ويقال له‏:‏ أوقيانوس، وهو الذي يتاخم بلاد المغرب، وفيه الجزائر الخالدات، وبينها وبين ساحله عشر درج، مسافة شهر تقريباً‏.‏


وهو بحر لا يمكن سلوكه، ولا ركوبه، لكثرة موجه، واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج، وليس فيه صيد، ولا يستخرج منه شيء، ولا يسافر فيه لمتجر، ولا لغيره، وهو آخذ في ناحية الجنوب، حتى يسامت الجبال القمر‏.‏


ويقال جبال القمر، التي منها أصل منبع نيل مصر، ويتجاوز خط الإستواء، ثم يمتد شرقاً، ويصير جنوبي الأرض‏.‏


وفيه هناك جزائر الزابج، وعلى سواحله خراب كثير‏.‏ ثم يمتد شرقاً وشمالاً، حتى يتصل بحر الصين والهند‏.‏ ثم يمتد شرقاً حتى يسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة‏.‏ وهناك بلاد الصين‏.‏


ثم ينعطف في شرق الصين، إلى جهة الشمال، حتى يجاوز بلاد الصين، ويسامت سد يأجوج، ومأجوج‏.‏


ثم ينعطف، ويستدير على أراضي غير معلومة الأحوال‏.‏


ثم يمتد مغرباً في شمال الأرض، ويسامت بلاد الروس، ويتجاوزها، ويعطف مغرباً وجنوباً، ويستدير على الأرض، ويعود إلى جهة الغرب، وينبثق من الغربي، إلى متن الأرض الزقاق، الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب‏.‏


ثم يأخذ في بلاد الروم، حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم‏.‏


وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر، فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال‏:‏ إن في بحر الهند ألف جزيرة، وسبعمائة جزيرة، فيها مدن، وعمارات، سوى الجزائر العاطلة، ويقال لها‏:‏ البحر الأخضر‏.‏ فشرقيه بحر الصين، وغربيه بحر اليمن، وشماله بحر الهند، وجنوبيه غير معلوم‏.‏


وذكروا أن بين بحر الهند، وبحر الصين، جبالاً فاصلة بينهما، وفيها فجاج يسلك المراكب بينها، يسيرها لهم الذي خلقها، كما جعل مثلها في البر أيضاً، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 31‏]‏‏.‏


وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند، في كتابه المسمى ‏(‏بالمجسطي‏)‏ الذي عُرب في زمان المأمون، وهو أصل هذه العلوم، أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي، والجنوبي والشمالي، كثيرة جداً‏.‏


فمنها ما هو واحد، ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له‏.‏ فمن ذلك بحر القلزم‏.‏ والقلزم‏:‏ قرية على ساحله، قريب من أيلة‏.‏


وبحر فارس، وبحر الخزرة، وبحر ورنك، وبحر الروم، وبحر بنطش، وبحر الأزرق، مدينة على ساحله‏.‏ وهو بحر القرم أيضاً، ويتضايق حتى يصب في بحر الروم، عند جنوبي القسطنطينية، وهو خليج القسطنطينية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 27‏)‏


ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم، وتبطيء إذا جاءت من الإسكندرية إلى القرم، لاستقبالها جريان الماء‏.‏


وهذا من العجائب في الدنيا، فإن كل ماء جار، فهو حلو إلا هذا، وكل بحر راكد، فهو ملح أجاج، إلا ما يذكر عن بحر الخزر، وهو بحر جرجان، وبحر طبرستان، أن فيه قطعة كبيرة ماء حلواً فراتاً، على ما أخبر به المسافرون عنه‏.‏


قال أهل الهيئة‏:‏ وهو بحر مستدير الشكل إلى الطول ما هو‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مثلث كالقلع، وليس هو متصلاً بشيء من البحر المحيط، بل منفرد وحده، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة، وقيل أكثر من ذلك، والله أعلم‏.‏


ومن ذلك‏:‏ البحر الذي يخرج منه المد والجزر، عند البصرة، وفي بلاد المغرب، نظيره أيضاً يتزايد الماء من أول الشهر، ولا يزال في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشر منه، وهو المد‏.‏


ثم يشرع في النقص، وهو الجزر، إلى آخر الشهر‏.‏


وقد ذكروا تحديد هذه البحار، ومبتداها، ومنتهاها، وذكروا ما في الأرض من البحيرات المجتمعة من الأنهار، وغيرها من السيول، وهي البطائح‏.‏


وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءها وانتهاءها، ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه، وإنما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث‏.‏


وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 23-34‏]‏‏.‏


ففي ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏ من طريق قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ذكر سدرة المنتهى، قال‏:‏


‏(‏‏(‏فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان، ونهران ظاهران‏.‏


فأما الباطنان‏:‏ ففي الجنة، وأما الظاهران‏:‏ فالنيل، والفرات‏)‏‏)‏‏.‏


وفي لفظ في البخاري‏:‏ وعنصرهما أي مادتهما، أو شكلهما، وعلى صفتهما، ونعتهما، وليس في الدنيا مما في الجنة، إلا سماوية‏.‏


وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏‏:‏ من حديث عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة‏)‏‏)‏‏.‏


وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا ابن نمير، ويزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏فجرت أربعة أنهار من الجنة‏:‏ الفرات، والنيل، وسيحان، وجيحان‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم‏.‏


وكأن المراد، والله أعلم من هذا‏:‏ أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها، ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها، كما قال في الحديث الآخر، الذي رواه الترمذي، وصححه من طريق سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم‏)‏‏)‏‏.‏


أي تشبه ثمر الجنة، لا أنها مجتناة من الجنة، فإن الحس يشهد بخلاف ذلك، فتعين أن المراد غيره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/28‏)‏


وكذا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء‏)‏‏)‏‏.‏


وكذا قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا اشتد الحمى، فأبردوها بالماء، فإن شدة الحر من فيح جهنم‏)‏‏)‏‏.‏


وهكذا هذه الأنهار، أصل منبعها مشاهد من الأرض‏.‏


أما النيل‏:‏ وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته، ولطافته، وبعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه؛ فمبتداه من الجبال القمر، أي البيض‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ جبال القمر بالإضافة إلى الكواكب، وهي‏:‏ في غربي الأرض، وراء خط الإستواء، إلى الجانب الجنوبي‏.‏


ويقال‏:‏ إنها حمر ينبع من بينها عيون، ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة، ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر، ثم يخرج منها أنهار ستة، ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى، ثم يخرج منها نهر واحد هو‏:‏ النيل، فيمر على بلاد السودان الحبشة، ثم على النوبة، ومدينتها العظمى دمقلة، ثم على أسوان، ثم يفدُ على ديار مصر‏.‏


وقد تحمل إليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها، واجترف من ترابها، وهي محتاجة إليهما معاً، لأن مطرها قليل، لا يكفي زروعها، وأشجارها‏.‏


وتربتها رمال، لا تنبت شيئاً، حتى يجيء النيل بزيادته وطينه، فينبت فيه ما يحتاجون إليه، وهي من أحق الأراضي، بدخولها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 27‏]‏‏.‏


ثم يجاوز النيل مصر قليلاً، فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه، يقال لها‏:‏ شطنوف، فيمر الغربي على رشيد، ويصب في البحر المالح‏.‏


وأما الشرقي‏:‏ فتفترق أيضاً عند جوجر فرقتين، تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها، ويصب في البحر‏.‏ والشرقية منهما تمر على أشمون طناح، فيصب هناك في بحيرة شرقي دمياط، يقال لها بحيرة تنيس، وبحيرة دمياط‏.‏


وهذا بعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه‏.‏ ولهذا كان ألطف المياه‏.‏


قال ابن سينا‏:‏ له خصوصيات دون مياه سائر الأرض‏.‏


فمنها‏:‏ أنه أبعدها مسافة من مجراه إلى أقصاه‏.‏


ومنها‏:‏ أنه يجري على صخور ورمال، ليس فيه خز، ولا طحلب، ولا أوحال‏.‏


ومنها‏:‏ أنه لا يخضر فيه حجر، ولا حصاة، وما ذاك إلا لصحة مزاجه، وحلاوته، ولطافته‏.‏


ومنها‏:‏ أن زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار، ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها‏.‏


وأما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع، اطلع عليه بعض الناس، فرأى هناك هولاً عظيماً، وجواري حساناً، وأشياء غريبة، وأن الذي اطلع على ذلك، لا يمكنه الكلام بعد هذا، فهو من خرافات المؤرخين، وهذيانات الأفاكين‏.‏


وقد قال عبدالله بن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه قال‏:‏ لما فتح عمرو بن عاص مصر، أتى أهلها إليه، حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم القبطية، فقالوا‏:‏ أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة، لا يجري إلا بها‏.‏


فقال لهم‏:‏ وما ذاك‏؟‏


قالوا‏:‏ إذا كان لثنتي عشرة ليلة، خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي، والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو‏:‏


إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤنة، والنيل لا يجري لا قليلاً، ولا كثيراً‏.‏


وفي رواية‏:‏ فأقاموا بؤنة، وأبيب، ومسرى، وهو لا يجري، حتى هموا بالجلاء‏.‏


فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر‏:‏ إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة، داخل كتابي هذا، فألقها في النيل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 29‏)‏


فلما قدِمَ كتابه، أخذ عمرو البطاقة، ففتحها، فإذا فيها‏:‏ من عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى نيل مصر، أما بعد‏:‏


فإن كنت تجري من قبلك، فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله أن يجريك‏.‏


فألقى عمرو البطاقة في النيل، فأصبح يوم السبت‏.‏ وقد أجرى الله النيل، ستة عشر ذراعاً، في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة، عن أهل مصر إلى اليوم‏.‏


وأما الفرات‏:‏ فأصلها من شمالي أررن الروم، فتمر إلى قرب ملطيه، ثم تمر على شميشاط، ثم على البيرة قبليها، ثم تشرق إلى بالس، وقلعة جعبر، ثم الرقة، ثم إلى الرحبة شماليها، ثم إلى عانة، ثم إلى هيت، ثم إلى الكوفة، ثم تخرج إلى فضاء العراق، ويصب في بطائح كبار، أي بحيرات وترد إليها، ويخرج منها أنهار كبار معروفة‏.‏


وأما سيحان‏:‏ ويقال له سيحون أيضاً، فأوله من بلاد الروم، ويجري من الشمال، والغرب، إلى الجنوب، والشرق، وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر، وهو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس، وقد كانت في أول الدولة الإسلامية في أيدي المسلمين‏.‏


فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية، وملكوا الشام وأعمالها، عجزوا عن صونها عن الأعداء، فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد، أعني بلاد سيس، في حدود الثلاثمائة، وإلى يومنا هذا‏.‏ والله المسؤول عودها إلينا بحوله وقوته‏.‏


ثم يجتمع سيحان وجيحان عند أذنه فيصيران نهراً واحداً‏.‏ ثم يصبان في بحر الروم بين أياس، وطرسوس‏.‏


وأما جيحان‏:‏ ويقال له جيحون أيضاً، وتسميه العامة جاهان‏.‏ وأصله في بلاد الروم، ويسير في بلاد سيس، من الشمال إلى الجنوب، وهو يقارب الفرات في القدر، ثم يجتمع هو وسيحان عند أذنة، فيصيران نهراً واحداً، ثم يصبان في البحر عند اياس، وطرسوس، والله أعلم‏.‏

عاشق الساهر
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏.‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26-29‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7-8‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/42‏)‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 19-20‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ *وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 164-166‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 64‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الإنفطار‏:‏ 10-12‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 23-24‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 25‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 21-22‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 98‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جداً، يصفهم تعالى بالقوة في العبادة، وفي الخلق، وحسن المنظر، وعظمة الأشكال، وقوة الشكل في الصور المتعددة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 76 - 77‏]‏ الآيات‏.‏

فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء، من أن الملائكة تبدو لهم في صورة شباب حسان، امتحاناً واختباراً، حتى قامت على قوم لوط الحجة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر‏.‏

وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صفات متعددة؛ فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورته التي خلق عليها‏.‏

له ستمائة جناح، ما بين كل جناحين، كما بين المشرق والمغرب، كما رآه على هذه الصفة مرتين‏.‏

مرة منهبطاً من السماء إلى الأرض، وتارة عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى‏.‏

وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 5 - 8‏]‏‏.‏

أي جبريل‏:‏ كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو ذر، وعائشة ‏{‏فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 9 - 10‏]‏ أي‏:‏ إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/43‏)‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 13- 17‏]‏‏.‏

وقد ذكرنا في أحاديث الإسراء، في سورة سبحان، أن سدرة المنتهى، في السماء السابعة‏.‏

وفي رواية في السادسة، أي أصلها وفروعها في السابعة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها‏.‏

قيل‏:‏ غشيها نور الرب جل جلاله‏.‏

وقيل‏:‏ غشيها فراش من ذهب‏.‏

وقيل‏:‏ غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة‏.‏

وقيل‏:‏ غشيها الملائكة مثل الغربان‏.‏

وقيل‏:‏ غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها‏.‏ أي من حسنها وبهائها‏.‏

ولا منافاة بين هذه الأقوال، إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة‏.‏

وذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها كالقلال‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏كقلال هجر، وإذا ورقها كآذان الفيلة‏)‏‏)‏ وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان، ونهران ظاهران‏.‏ فأما الباطنان ففي الجنة‏.‏ وأما الظاهران فالنيل والفرات‏.‏

وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض، وما فيها من البحار والأنهار‏.‏

وفيه‏:‏ ‏(‏‏(‏ثم رفع لي البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودونه إليه آخر ما عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل عليه السلام، مستنداً ظهره إلى البيت المعمور‏.‏ وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور، هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض‏.‏

وقد روى سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال‏:‏ هو مسجد في السماء يقال له‏:‏ الضُراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها‏.‏ حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، لا يعودون إليه أبداً‏.‏

وهكذا روى علي بن ربيعة، وأبو الطفيل، عن علي مثله‏.‏

وقال الطبراني‏:‏ أنبأنا الحسن بن علوية القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، حدثنا ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن كريب، عن ابن عباس، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏البيت المعمور في السماء، يقال له‏:‏ الضُراح، وهو على مثل البيت الحرام بحياله، لو سقط لسقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرونه قط، فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة‏)‏‏)‏ يعني في الأرض‏.‏

وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد، وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه‏:‏

‏(‏‏(‏هل تدرون ما البيت المعمور‏؟‏ قالوا الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ قال‏:‏ مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة، يقال لهم‏:‏ الجن، من قبيلة إبليس لعنه الله، كان يقول‏:‏ سدنته وخدامه منهم، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/44‏)‏

وقال آخرون‏:‏ في كل سماء بيت، يعمره ملائكته بالعبادة فيه، ويفدون إليه بالنوبة والبدل، كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام، والاعتمار في كل وقت، والطواف والصلاة في كل آن‏.‏

قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، في أوائل كتابه المغازي‏:‏ حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد أن الحرم حرم مناه، يعني قدره من السماوات السبع، والأرضين السبع، وأنه رابع أربعة عشر بيتاً في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، لو سقطت سقط بعضها على بعض‏.‏

ثم روى مجاهد، قال‏:‏ مناه أي مقابله، وهو حرف مقصور‏.‏

ثم قال‏:‏ حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سليمان مؤذن الحجاج، سمعت عبد الله بن عمرو يقول‏:‏ إن الحرم محرم في السموات السبع، مقداره من الأرض، وإن بيت المقدس، مقدس في السماوات السبع، مقداره من الأرض‏.‏ كما قال بعض الشعراء‏:‏

إن الذي سمك السماء بنى لها * بيتا دعائمه أشد وأطول

واسم البيت الذي في السماء‏:‏ بيت العزة، واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها‏:‏ إسماعيل‏.‏ فعلى هذا يكون السبعون ألفاً من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم، إلى البيت المعمور، ثم لا يعودون إليه، آخر ما عليهم، أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر‏.‏ يكونون من سكان السماء السابعة وحدها‏.‏

ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات، تجأرون إلى الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو ذر‏:‏ والله لوددت أني شجرة تعضد‏.‏

ورواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث إسرائيل فقال الترمذي‏:‏ حسن غريب‏.‏ ويروى عن أبي ذر موقوفاً‏.‏

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني‏:‏ حدثنا حسين بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن عمران الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما في السماوات السبع موضع قدم، ولا شبر، ولا كف، إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً ما عبدناك حق عبادتك، إلا أنا لا نشرك بك شيئاً‏)‏‏)‏‏.‏

فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع، إلا وهو مشغول بالملائكة، وهم في صنوف من العبادة‏.‏

منهم‏:‏ من هو قائم أبداً‏.‏

ومنهم‏:‏ من هو راكع أبداً‏.‏

ومنهم‏:‏ من هو ساجد أبداً‏.‏

ومنهم‏:‏ من هو في صنوف أخر، والله أعلم بها‏.‏

وهم دائمون في عبادتهم، وتسبيحهم، وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 164-166‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 45‏)‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها‏!‏

قالوا‏:‏ وكيف يصفون عند ربهم‏؟‏

قال‏:‏ يكملون الصف الأول، ويتراصون في الصف‏)‏‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏فضلنا على الناس بثلاث‏:‏ جعلت لنا الأرض مسجداً، وتربتها لنا طهوراً، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة‏)‏‏)‏‏.‏

وكذلك يأتون يوم القيامة، بين يدي الرب، جلَّ جلاله، صفوفاً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 22‏]‏‏.‏

ويقفون صفوفاً بين يدي ربهم، عز وجل، يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 38‏]‏‏.‏

والمراد بالروح ههنا‏:‏ بنو آدم، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة‏.‏

وقيل‏:‏ ضرب من الملائكة، يشبهون بني آدم في الشكل‏.‏ قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، والأعمش‏.‏

وقيل‏:‏ جبريل‏.‏ قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك‏.‏

وقيل‏:‏ ملك يقال له‏:‏ الروح، بقدر جميع المخلوقات‏.‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ‏}‏ قال‏:‏ هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا داود بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال‏:‏ الروح في السماء الرابعة، هو أعظم السماوات والجبال، ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة، يحيي يوم القيامة صفاً وحده‏.‏ وهذا غريب جداً‏.‏

وقال الطبراني‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري، حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏إن لله ملكاً، لو قيل له التقم السماوات، والأرضين بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه‏:‏ سبحانك حيث كنت‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا أيضاً حديث غريب جداً، وقد يكون موقوفاً‏.‏

وذكرنا في صفة حملة العرش، عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام‏)‏‏)‏‏.‏

رواه أبو داود، وابن أبي حاتم، ولفظه‏:‏ ‏(‏‏(‏مخفق الطير سبعمائة عام‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/46‏)‏

وقد ورد في صفة جبريل عليه السلام أمر عظيم، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى‏}‏‏.‏

قالوا‏:‏ كان من شدة قوته، أنه رفع مدائن قوم لوط، وكن سبعاً بمن فيها من الأمم، وكانوا قريباً من أربعمائة ألف، وما معهم من الدواب، والحيوانات، وما لتلك المدن من الأراضي، والمعتملات، والعمارات، وغير ذلك‏.‏

رفع ذلك كله على طرف جناحه، حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، وصياح ديكتهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فهذا هو شديد القوى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذُو مِرَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ خلق حسن، وبهاء، وسناء‏.‏

كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 19‏]‏، أي‏:‏ جبريل رسول من الله كريم، أي‏:‏ حسن المنظر‏.‏

‏{‏ذِي قُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ له قوة وبأس شديد‏.‏

‏{‏عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏}‏ أي‏:‏ له مكانه، ومنزلة عالية رفيعة، عند الله‏.‏

‏{‏ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 19‏]‏، ‏{‏مُطَاعٍ ثَمَّ‏}‏ أي‏:‏ مطاع في الملأ الأعلى‏.‏

‏{‏أَمِينٍ‏}‏ أي‏:‏ ذي أمانة عظيمة‏.‏

ولهذا كان هو السفير بين الله، وبين أنبيائه عليهم السلام، الذي ينزل عليهم بالوحي، فيه الأخبار الصادقة، والشرائع العادلة، وقد كان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل عليه في صفات متعددة، كما قدمنا‏.‏

وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين، له ستمائة جناح‏.‏ كما روى البخاري‏:‏ عن طلق بن غنام، عن زائدة الشيباني، قال‏:‏ سألت زراً عن قوله‏:‏ ‏{‏فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 8-9‏]‏ قال‏:‏ حدثنا عبد الله يعني ابن مسعود، أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك عن جامع بن راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل من الدر والياقوت، ما الله به عليم‏.‏

وقال أحمد أيضاً‏:‏ حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في هذه الآية ‏{‏وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 13- 14‏]‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت جبريل وله ستمائة جناح، ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين، حدثني عاصم بن بهدلة، سمعت شقيق بن سلمة يقول‏:‏ سمعت ابن مسعود يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏رأيت جبريل على السدرة المنتهى، وله ستمائة جناح‏)‏‏)‏ فسألت عاصماً عن الأجنحة، فأبى أن يخبرني، قال‏:‏ فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب‏.‏ وهذه أسانيد جيدة قوية، انفرد بها أحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏1/47‏)‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حصين، حدثني شقيق، سمعت ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏أتاني جبريل في خضر تعلق به الدر‏)‏‏)‏‏.‏

إسناده صحيح‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن بزيع البغدادي، قال‏:‏ حدثنا إسحاق بن منصور، قال‏:‏ حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ‏{‏مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى‏}‏ قال‏:‏

‏(‏‏(‏رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف، قد ملأ ما بين السماء والأرض‏)‏‏)‏‏.‏

إسناد جيد قوي‏.‏

وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث عامر الشعبي، عن مسروق قال‏:‏ كنت عند عائشة فقلت‏:‏ أليس الله يقول‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏}‏، ‏{‏وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى‏}‏ فقالت‏:‏ أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال‏:‏

‏(‏‏(‏إنما ذاك جبريل، لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض، ساداً عِظمُ خلقه ما بين السماء والأرض‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر ‏(‏ح‏)‏ وحدثني يحيى بن جعفر، حدثنا وكيع، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل‏:‏ ألا تزورنا أكثر مما تزورنا‏؟‏ قال‏:‏ فنزلت ‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا‏}‏ الآية ‏[‏مريم‏:‏ 64‏]‏‏.‏

وروى البخاري من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخرَّ العصر شيئاً، فقال له عروة‏:‏ أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر‏:‏ أعلم ما تقول يا عروة‏.‏

قال‏:‏ سمعت بشير بن أبي مسعود يقول‏:‏ سمعت أبا مسعود يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏نزل جبريل فأمني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات‏)‏‏)‏‏.‏

ومن صفة إسرافيل عليه السلام - وهو أحد حملة العرش - وهو الذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة‏:‏

أولاهن‏:‏ نفخة الفزع‏.‏

والثانية‏:‏ نفخة الصعق‏.‏

والثالثة‏:‏ نفخة البعث‏.‏ كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته، وحسن توفيقه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 48‏)‏

والصور‏:‏ قرن ينفخ فيه‏.‏ كل دارة منه كما بين السماء والأرض‏.‏ وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث، فإذا نفخ تخرج الأرواح تتوهج‏.‏

فيقول الرب جلَّ جلاله‏:‏

‏(‏‏(‏وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الذي كانت تعمره في الدنيا، فتدخل على الأجساد في قبورها، فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ، فتحيى الأجساد، وتنشق عنهم الأجداث، فيخرجون منها سراعاً إلى مقام المحشر‏)‏‏)‏، كما سيأتي تفصيله في موضعه‏.‏

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ كيف نقول يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا‏)‏‏)‏‏.‏

رواه أحمد، والترمذي، من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد الطائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد قال‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصور فقال‏:‏

‏(‏‏(‏عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل‏)‏‏)‏ عليهم السلام‏.‏

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمر، أن ابن أبي ليلى، حدثني عن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال‏:‏

بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل بناحية، إذ انشق أفق السماء، فأقبل إسرافيل يدنو من الأرض ويتمايل، فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد، أو ملك نبي‏؟‏

قال‏:‏ فأشار جبريل إلي بيده أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح، فقلت‏:‏ ‏(‏‏(‏عبد نبي‏)‏‏)‏‏.‏

فعرج ذلك الملك إلى السماء‏.‏

فقلت‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا يا جبريل‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ هذا إسرافيل عليه السلام، خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه، لا يرفع طرفه بينه، وبين الرب سبعون نوراً، ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق، بين يديه لوح، فإذا أذن الله في شيء من السماء أو في الأرض، ارتفع ذلك اللوح، فضرب جبهته، فينظر فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به‏.‏

قلت‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جبريل وعلى أي شيء أنت‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ على الريح والجنود‏.‏

قلت‏:‏ ‏(‏‏(‏وعلى أي شيء ميكائيل‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ على النبات والقطر‏.‏

قلت‏:‏ ‏(‏‏(‏وعلى أي شيء ملك الموت‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ على قبض الأنفس، وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة، وما الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة‏.‏ هذا حديث غريب من هذا الوجه‏.‏

وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، عن عائشة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول‏:‏

‏(‏‏(‏اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم‏)‏‏)‏‏.‏

وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق، لينفخ في الصور‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 49‏)‏

وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة، فجوزي بولاية اللوح المحفوظ، حكاه‏:‏ أبو القاسم السهيلي في كتابه ‏(‏التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأعلام‏)‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 98‏]‏‏.‏

عطفهما على الملائكة لشرفهما، فجبريل‏:‏ ملك عظيم، قد تقدم ذكره‏.‏

وأما ميكائيل‏:‏ فموكل بالقطر والنبات، وهو ذو مكانة من ربه عز وجل، ومن أشراف الملائكة المقربين‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عباس، عن عمارة بن غزنة الأنصاري، أنه سمع حميد بن عبيد، مولى بني المعلى يقول‏:‏ سمعت ثابتاً البناني، يحدث عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل‏:‏ ‏(‏‏(‏ما لي لم أرَ ميكائيل ضاحكاً قط‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار‏.‏

فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن، وفي الصحاح، هم المذكورون في الدعاء النبوي‏:‏ اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل‏.‏

فجبريل‏:‏ ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم‏.‏

وميكائيل‏:‏ موكل بالقطر والنبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار، وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب جل جلاله‏.‏

وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض‏.‏

وإسرافيل‏:‏ موكل بالنفخ في الصور، للقيام من القبور، والحضور يوم البعث والنشور، ليفوز الشكور، ويجازى الكفور، فذاك ذنبه مغفور، وسعيه مشكور، وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور، وهو يدعو بالويل والثبور‏.‏

فجبريل عليه السلام يحصل بما ينزل به الهدى‏.‏

وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق‏.‏

وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء‏.‏

وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم‏.‏

وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته، حتى تبلغ الحلقوم، فيتناولها ملك الموت بيده، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها منه، فيلقوها في أكفان تليق بها، كما قد بسط عند قوله‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 27‏]‏‏.‏

ثم يصعدون بها، فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء، وإلا غلقت دونها، وألقى بها إلى الأرض، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 61-62‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 50‏)‏

وعن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد أنهم قالوا‏:‏ إن الأرض بين يدي ملك الموت، مثل الطست يتناول منها حيث يشاء‏.‏

وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الإنسان على حسب عمله، إن كان مؤمناً أتاه ملائكة بيض الوجوه، بيض الثياب، طيبة الأرواح‏.‏ وإن كان كافراً فبالضد من ذلك، عياذا بالله العظيم من ذلك‏.‏

وقد قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو بن شمر، قال‏:‏ سمعت جعفر بن محمد قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت، عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن‏)‏‏)‏‏.‏

فقال ملك الموت‏:‏ يا محمد طب نفساً، وقر عيناً، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر، ولا شعر، في بر ولا بحر، إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو الآمر بقبضها‏.‏

قال جعفر بن محمد‏:‏ أبي هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضر عند الموت، فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة، دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة‏.‏

هذا حديث مرسل، وفيه نظر‏.‏

وذكرنا في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاص، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله‏.‏

وفيه ‏(‏‏(‏ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، جاء ملك الموت إلى الجبار عز وجل‏.‏

فيقول‏:‏ يا رب قد مات أهل السماوات والأرض، إلا من شئت‏.‏

فيقول الله -وهو أعلم بمن بقي-‏:‏ فمن بقي‏؟‏

فيقول‏:‏ بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة عرشك، وبقي جبريل، وميكائيل‏.‏

فيقول‏:‏ ليمت جبريل، وميكائيل، فينطق الله العرش‏.‏

فيقول‏:‏ يا رب يموت جبريل، وميكائيل‏!‏

فيقول‏:‏ اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان‏.‏

ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار عز وجل‏.‏

فيقول‏:‏ يا رب قد مات جبريل وميكائيل‏.‏

فيقول الله -وهو أعلم بمن بقي-‏:‏ فمن بقي‏؟‏

فيقول‏:‏ بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة عرشك، وبقيت أنا‏.‏

فيقول الله‏:‏ لتمت حملة عرشي، فتموت‏.‏

ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت‏.‏

فيقول‏:‏ يا رب قد مات حملة عرشك‏.‏

فيقول الله وهو أعلم بمن بقي‏:‏ فمن بقي‏؟‏

فيقول‏:‏ بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت أنا‏.‏

فيقول الله‏:‏ أنت خلق من خلقي، خلقتك لما أردت فمت، فيموت، فإذا لم يبقَ إلا الله الواحد القهار، الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، كان آخراً كما كان أولاً‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر تمام الحديث بطوله‏.‏

رواه الطبراني، وابن جرير، والبيهقي، ورواه الحافظ أبو موسى المديني، في كتاب ‏(‏الطوالات‏)‏ وعنده زيادة غريبة وهي قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏فيقول الله له‏:‏ أنت خلق من خلقي، خلقتك لما أردت، فمت موتاً لا تحيى بعده أبداً‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 51‏)‏

ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن‏:‏ هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف‏.‏

وقد ورد في قصتهما، وما كان من أمرهما آثار كثيرة، غالبها إسرائيليات‏.‏

وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً عن ابن عمر، وصححه ابن حبان في تقاسيمه‏.‏ وفي صحته عندي نظر‏.‏

والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر، ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه، والله أعلم‏.‏

وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر‏.‏

وعن علي، وابن عباس، وابن عمر أيضاً أن الزهرة كانت امرأة، وأنهما لما طلبا منها ما ذكر، أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم، فعلماها‏.‏ فقالته، فارتفعت إلى السماء، فصارت كوكباً‏.‏

وروى الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏ عن ابن عباس قال‏:‏ وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب‏.‏

وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة‏.‏

ثم قيل‏:‏ كان أمرهما، وقصتهما في زمان إدريس‏.‏

وقيل‏:‏ في زمان سليمان بن داود، كما حررنا ذلك في التفسير‏.‏

وبالجملة، فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار، كما رواه عبد الرزاق في ‏(‏تفسيره‏)‏، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار بالقصة، وهذا أصح إسناداً، وأثبت رجالاً، والله أعلم‏.‏

ثم قد قيل‏:‏ إن المراد بقوله ‏{‏وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏‏.‏ قبيلان من الجان، قاله ابن حزم، وهذا غريب، وبعيد من اللفظ‏.‏

ومن الناس من قرأ ‏{‏وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ‏}‏ بالكسر، ويجعلهما علجين من أهل فارس‏.‏ قاله الضحاك‏.‏

ومن الناس من يقول‏:‏ هما ملكان من السماء، ولكن سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما، إن صح به الخبر، ويكون حكمهما كحكم إبليس، إن قيل إنه من الملائكة، لكن الصحيح أنه من الجن، كما سيأتي تقريره‏.‏

ومن الملائكة المسمين في الحديث‏:‏ منكر ونكير عليهما السلام‏.‏

وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر، وقد أوردناها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وهما فتانا القبر، موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه، ويمتحنان البر، والفاجر، وهما أزرقان أفرقان، لهما أنياب، وأشكال مزعجة، وأصوات مفزعة، أجارنا الله من عذاب القبر، وثبتنا بالقول الثابت آمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/52‏)‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن وهب، حدثني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال‏:‏ إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم‏.‏

فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال‏:‏ يا محمد، فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث ابن وهب به‏.‏
عاشق الساهر
يا جماعه دا انا بتكلم فى 14 جزئ

كده مش هخلص الفصل الاول

فين التشجيع
نـور القمر
جزاك الله خيرا


عاشق الساهر
اشهد ان لا اله الا الله

حد عبر اهو

منوره يا نور

وجزانا الله واياكى
عاشق الساهر
باب خلق الجان وقصة الشيطان


قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 14 -16‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 26-27‏]‏‏.‏


وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وغير واحد‏:‏ ‏{‏مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ‏}‏ قالوا‏:‏ من طرف اللهب‏.‏


وفي رواية من خالصه، وأحسنه‏.‏


وقد ذكرنا آنفاً من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم‏)‏‏)‏ رواه مسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 59‏)‏


قال كثير من علماء التفسير‏:‏ خلقت الجن قبل آدم عليه السلام، وكان قبلهم في الأرض، الحن والبن، فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم، وأجلوهم عنها، وأبادوهم منها، وسكنوها بعدهم‏.‏


وذكر السدي في ‏(‏تفسيره‏)‏ عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزان الجنة‏.‏ وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة‏.‏


وذكر الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أن الجن لما أفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، بعث الله إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة، فقتلوهم، وأجلوهم عن الأرض، إلى جزائر البحور‏.‏


وقال محمد بن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية عزازيل، وكان من سكان الأرض، ومن أشد الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، وكان من حي يقال لهم الجن‏.‏


وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، عنه، كان اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من أولى الأجنحة الأربعة‏.‏


وقد أسند عن حجاج، عن ابن جريج قال ابن عباس‏:‏ كان إبليس من أشرف الملائكة، وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض‏.‏


وقال صالح - مولى التوأمة - عن ابن عباس‏:‏ كان يسوس ما بين السماء والأرض، رواه ابن جرير‏.‏


وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب‏:‏ كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا‏.‏


وقال الحسن البصري‏:‏ لم يكن من الملائكة طرفة عين، وأنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل البشر‏.‏


وقال شهر بن حوشب، وغيره‏:‏ كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعضهم، وذهب به إلى السماء‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏


قالوا فلما أراد الله خلق آدم، ليكون في الأرض هو وذريته من بعده، وصور جثته منها، جعل إبليس، وهو رئيس الجان، وأكثرهم عبادة إذ ذاك، وكان اسمه عزازيل، يطيف به، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق لا يتمالك‏.‏


وقال‏:‏ أما لئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك، فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي، وأمر الملائكة بالسجود له، دخل إبليس منه حسد عظيم، وامتنع من السجود له‏.‏


وقال‏:‏ أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين‏.‏


فخالف الأمر واعترض على الرب عز وجل، وأخطأ في قوله، وابتعد من رحمة ربه، وأنزل من مرتبته، التي كان قد نالها بعبادته، وكان قد تشبه بالملائكة، ولم يكن من جنسهم لأنه مخلوق من نار، وهم من نور‏.‏


فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه، ورجع إلى أصله النار‏.‏


‏{‏فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 30 -31‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 50‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 60‏)‏


فأهبط إبليس من الملأ الأعلى، وحرم عليه قدر أن يسكنه، فنزل إلى الأرض، حقيراً، ذليلاً، مذؤماً، مدحوراً، متوعداً بالنار، هو ومن اتبعه من الجن، والإنس، إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال بني آدم، بكل طريق، وبكل مرصد‏.‏


كما قال‏:‏ ‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 62 -65‏]‏‏.‏


وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم عليه السلام‏.‏ والمقصود أن الجان خلقوا من النار، وهم كبني آدم، يأكلون، ويشربون، ويتناسلون، ومنهم المؤمنون، ومنهم الكافرون، كما أخبر تعالى عنهم في سورة الجن في قوله تعالى‏:‏


‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 29 -32‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً * وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 1- 17‏]‏‏.‏


وقد ذكرنا تفسير هذه السورة، وتمام القصة، في آخر سورة الأحقاف‏.‏


وذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك، هنالك‏.‏


وأن هؤلاء النفر، كانوا من جن نصيبين‏.‏


وفي بعض الآثار، من جن بصرى، وأنهم مروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي بأصحابه، ببطن نخلة، من أرض مكة‏.‏ فوقفوا، فاستمعوا لقراءته‏.‏


ثم اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة، فسألوه عن أشياء، أمرهم بها، ونهاهم عنها، وسألوه الزاد، فقال لهم‏:‏


‏(‏‏(‏كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل روثة علف لدوابكم‏)‏‏)‏‏.‏


ونهى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يستنجي بهما، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهما زاد إخوانكم الجن‏)‏‏)‏‏.‏


ونهى عن البول في السرب، لأنها مساكن الجن‏.‏




عاشق الساهر
باب خلق آدم عليه السلام


قال الله تعالى‏:‏


‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ


فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 30-39‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 1‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 75‏)‏


كما قال‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏الأعراف‏:‏ 189‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ


الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ


وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 11-25‏]‏‏.‏


كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 55‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 26-44‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ آسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 61-65‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 76‏)‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 50‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 115-126‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 67-88‏]‏‏.‏


فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن‏.‏


وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير، ولنذكر هاهنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات، وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله المستعان‏.‏


فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلاً لهم‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏ أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضاً، كما قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 165‏]‏ فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه‏.‏ فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم، والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 77‏)‏


‏{‏قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏‏.‏


قيل‏:‏ علموا أن ذلك كائن بما رأوا، ممن كان قبل آدم من الجن والبن، قاله قتادة‏.‏


وقال عبد الله بن عمر‏:‏ كانت الجن قبل آدم بألفي عام، فسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور‏.‏


وعن ابن عباس نحوه‏.‏


وعن الحسن ألهموا ذلك‏.‏


وقيل‏:‏ لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ، فقيل‏:‏ أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل‏.‏ رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر‏.‏


وقيل‏:‏ لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالباً ‏{‏وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ جزء من الآية 30‏]‏ أي‏:‏ نعبدك دائماً لا يعصيك منا أحد‏.‏


فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدون، فها نحن لا نفتر ليلاً ولا نهاراً، قال‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏ أي‏:‏ أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، أي سيوجد منهم الأنبياء، والمرسلون، والصديقون، والشهداء‏.‏


ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم، فقال‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 31‏]‏‏.‏


قال ابن عباس‏:‏ هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس، إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها‏.‏


وفي رواية‏:‏ علمه اسم الصحفة، والقدر، حتى الفسوة، والفسية‏.‏


وقال مجاهد‏:‏ علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 78‏)‏


وكذا قال سعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد‏.‏


وقال الربيع‏:‏ علمه أسماء الملائكة‏.‏


وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ علمه أسماء ذريته، والصحيح أنه علمه أسماء الذوات، وأفعالها، مكبرها ومصغرها، كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏


وذكر البخاري هنا ما رواه هو، ومسلم، من طريق سعيد، وهشام عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون‏:‏ لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون‏:‏ أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء‏)‏‏)‏ وذكر تمام الحديث‏.‏


‏{‏ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 31‏]‏‏.‏


قال الحسن البصري‏:‏ لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة‏:‏ لا يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا، وذلك قوله ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏‏.‏


وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير‏.‏


‏{‏قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 32‏]‏ أي‏:‏ سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك، كما قال ‏{‏وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏


‏{‏قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 33‏]‏ أي‏:‏ أعلم السر كما أعلم العلانية‏.‏


وقيل‏:‏ إن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ‏}‏ ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها‏.‏


وبقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏ المراد بهذا الكلام‏:‏ إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم عليه السلام‏.‏


قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري، واختاره ابن جرير‏.‏


وقال أبو العالية، والربيع، والحسن، وقتادة‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏ قولهم لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه‏.‏


قوله ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 34‏]‏ هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، كما قال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 29‏]‏، فهذه أربع تشريفات‏:‏


خلقه له بيده الكريمة‏.‏


ونفخه فيه من روحه‏.‏


وأمره الملائكة بالسجود له‏.‏


وتعليمه أسماء الأشياء‏.‏


ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى، وتناظرا كما سيأتي‏:‏ أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء‏.‏


وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى‏.‏


وقال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 11-12‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 79‏)‏


قال الحسن البصري‏:‏ قاس إبليس، وهو أول من قاس‏.‏


وقال محمد بن سيرين‏:‏ أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس، رواهما ابن جريج‏.‏ ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى نفسه أشرف من آدم، فامتنع من السجود له‏.‏ مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود‏.‏


والقياس إذا كان مقابلاً بالنص كان فاسد الاعتبار، ثم هو فاسد في نفسه، فإن الطين أنفع وخير من النار‏.‏


فإن الطين فيه‏:‏ الرزانة، والحلم، والأناة، والنمو‏.‏


والنار فيها‏:‏ الطيش، والخفة، والسرعة، والإحراق‏.‏


ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده، ونفخه فيه من روحه، ولهذا أمر الملائكة بالسجود له‏.‏


كما قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 28-35‏]‏‏.‏


استحق هذا من الله تعالى؛ لأنه استلزم تنقصه لآدم، وازدراؤه به، وترفعه عليه، مخالفة الأمر الإلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين، وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئاً، وكان اعتذاره أشد من ذنبه‏.‏


كما قال تعالى في سورة سبحان‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ آسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 61-65‏]‏‏.‏


وقال في سورة الكهف‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏}‏ ‏[‏الآية 50‏]‏ أي‏:‏ خرج عن طاعة الله عمداً، وعناداً، واستكباراً عن امتثال أمره، وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه، ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها، فإنه مخلوق من نار‏.‏ كما قال وكما قدرنا في صحيح مسلم عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 80‏)‏


قال الحسن البصري‏:‏ لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط‏.‏


وقال شهر بن حوشب‏:‏ كان من الجن، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من الملائكة، فقتلوهم، وأجلوهم إلى جزائر البحار، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء، فكان هناك فلما أمرت الملائكة بالسجود، امتنع إبليس منه‏.‏


وقال ابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وآخرون‏:‏ كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا‏.‏


قال ابن عباس‏:‏ وكان اسمه عزازيل‏.‏


وفي رواية عن الحارث، قال النقاش، وكنيته‏:‏ أبو كردوس‏.‏


قال ابن عباس‏:‏ وكان من حي من الملائكة، يقال لهم الجن، وكانوا خزان الجنان، وكان من أشرفهم، وأكثرهم علماً وعبادة، وكان من أولى الأجنحة الأربعة، فمسخه الله شيطاناً رجيماً‏.‏


وقال في سورة ص‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏‏[‏الآيات‏:‏ 71-85‏]‏‏.‏


وقال في سورة الأعراف‏:‏ ‏{‏قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 16‏]‏ أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد، ولآتينهم من كل جهة منهم، فالسعيد من خالفه، والشقي من اتبعه‏.‏


وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل، هو عبد الله بن عقيل الثقفي، حدثنا موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏إن الشيطان يقعد لابن آدم بأطرقه‏)‏‏)‏‏.‏


وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس‏.‏


وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم، أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات، وهو قول الجمهور‏.‏ أو المراد بهم ملائكة الأرض، كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وفيه انقطاع، وفي السياق نكارة، وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه ولكن الأظهر من السياقات الأول، ويدل عليه الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏وأسجد له ملائكته‏)‏‏)‏ وهذا عموم أيضا، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/81‏)‏


وقوله تعالى لإبليس‏:‏ ‏(‏‏(‏اهبط منها‏)‏‏)‏ و ‏(‏‏(‏واخرج منها‏)‏‏)‏ دليل على أنه كان في السماء، فأمر بالهبوط منها، والخروج من المنزلة، والمكانة التي كان قد نالها بعبادته، وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة، ثم سلب ذلك بكبره، وحسده ومخالفته لربه، فأهبط إلى الأرض مذؤماً، مدحوراً‏.‏


وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 35‏]‏‏.‏


وقال في الأعراف‏:‏ ‏{‏قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأية‏:‏ 18-19‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 116-119‏]‏‏.‏


وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة، لقوله‏:‏ ‏{‏وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ‏}‏ وهذا قد صرح به إسحاق بن بشار، وهو ظاهر هذه الآيات‏.‏


ولكن حكى السدي عن أبي صالح، وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا‏:‏ أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه فسألها من أنت‏؟‏


قالت‏:‏ امرأة‏.‏


قال‏:‏ ولما خلقت‏؟‏


قالت‏:‏ لتسكن إلي‏.‏


فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه‏:‏ ما اسمها يا آدم‏؟‏


قال‏:‏ حواء‏.‏


قالوا‏:‏ ولـمَ كانت حواء‏؟‏


قال‏:‏ لأنها خلقت من شيء حي‏.‏


وذكر محمد بن إسحاق، عن ابن عباس، أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر، وهو نائم، ولأم مكانه لحماً‏.‏ ومصداق هذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ الآية 1‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 82‏)‏


وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ الآية 189‏]‏، وسنتكلم عليها فيما بعد، إن شاء الله تعالى‏.‏


وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث زائدة، عن ميسرة الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏


‏(‏‏(‏استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً‏)‏‏)‏‏.‏ لفظ البخاري‏.‏


وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ‏}‏‏:‏


فقيل‏:‏ هي الكرم‏.‏


وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي، وجعدة بن هبيرة، ومحمد بن قيس، والسدي في رواية، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قال‏:‏ وتزعم يهود أنها الحنطة‏.‏


وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبي مالك، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى‏.‏


قال وهب‏:‏ والحبة منه ألين من الزبد، وأحلى من العسل‏.‏


وقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي مالك‏:‏ ‏{‏وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ‏}‏ هي‏:‏ النخلة‏.‏


وقال ابن جريج، عن مجاهد، هي‏:‏ التينة‏.‏


وبه قال قتادة، وابن جريح‏.‏


وقال أبو العالية‏:‏ كانت شجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي في الجنة حدث‏.‏


وهذا الخلاف قريب‏.‏ وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها‏.‏ ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا، لعينها لنا كما في غيرها من المحال، التي تبهم في القرآن‏.‏


وإنما الخلاف الذي ذكروه، في أن هذه الجنة، التي دخلها آدم، هل هي في السماء، أو في الأرض‏؟‏ هو الخلاف الذي ينبغي فصله، والخروج منه‏.‏


والجمهور‏:‏ على أنها هي التي في السماء، وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ‏}‏ والألف واللام، ليست للعموم، ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذهني، وهو المستقر شرعاً من جنة المأوى، وكقول موسى عليه السلام، لآدم عليه السلام‏:‏ علام أخرجتنا، ونفسك من الجنة‏.‏ الحديث كما سيأتي الكلام عليه‏.‏


وروى مسلم في ‏(‏صحيحه‏)‏، من حديث أبي مالك الأشجعي، واسمه سعد بن طارق، عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي هريرة، وأبو مالك عن ربعي، عن حذيفة، قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏يجمع الله الناس، فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون‏:‏ يا أبانا استفتح لنا الجنة‏.‏


فيقول‏:‏ وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم‏)‏‏)‏‏.‏


وذكر الحديث بطوله‏.‏


وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى، وليست تخلو عن نظر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 83‏)‏


وقال آخرون‏:‏ بل الجنة التي أسكنها آدم، لم تكن جنة الخلد، لأنه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى‏.‏


وهذا القول، محكي عن أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في ‏(‏المعارف‏)‏، والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في ‏(‏تفسيره‏)‏، وأفرد له مصنفاً على حدة‏.‏


وحكاه عن أبي حنيفة الإمام، وأصحابه رحمهم الله، ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري في ‏(‏تفسيره‏)‏، عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني‏.‏


ونقله القرطبي في ‏(‏تفسيره‏)‏ عن المعتزلة، والقدرية‏.‏


وهذا القول‏:‏ هو نص التوراة، التي بأيدي أهل الكتاب‏.‏


وممن حكى الخلاف في هذه المسألة‏:‏ أبو محمد بن حزم، في ‏(‏الملل والنحل‏)‏ وأبو محمد بن عطية في ‏(‏تفسيره‏)‏، وأبو عيسى الرماني في ‏(‏تفسيره‏)‏‏.‏


وحكى عن الجمهور الأول‏.‏ وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في ‏(‏تفسيره‏)‏، فقال‏:‏ واختلف في الجنة التي أسكناها يعني آدم وحواء، على قولين‏:‏


أحدهما‏:‏ أنها جنة الخلد‏.‏


الثاني‏:‏ جنة أعدَّها الله لهما، وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء‏.‏


ومن قال بهذا‏:‏ اختلفوا على قولين‏:‏


أحدهما‏:‏ أنها في السماء، لأنه أهبطهما منها‏.‏ وهذا قول الحسن‏.‏


والثاني‏:‏ أنها في الأرض، لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة، التي نهيا عنها، دون غيرها من الثمار‏.‏


وهكذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم، والله أعلم بالصواب من ذلك‏.‏


هذا كلامه‏.‏ فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة‏.‏ وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة‏.‏


ولقد حكى أبو عبد الله الرازي في ‏(‏تفسيره‏)‏، في هذه المسألة أربعة أقوال، هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي، ورابعها الوقف‏.‏


وحكى القول بأنها في السماء، وليست جنة المأوى، عن أبي علي الجبائي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 84‏)‏


وقد أورد أصحاب القول الثاني، سؤالاً يحتاج مثله إلى جواب، فقالوا‏:‏ لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس، حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية، وأمره بالخروج عنها، والهبوط منها، وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية، بحيث يمكن مخالفته، وإنما هو أمر قدري، لا يخالف، ولا يمانع، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءوماً مَدْحُوراً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 18‏]‏‏.‏


وقال‏:‏ ‏{‏فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 13‏]‏‏.‏


وقال‏:‏ ‏{‏قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 34‏]‏‏.‏


والضمير عائد إلى الجنة، أو السماء، أو المنزلة، وأياماً كان، فمعلوم أنه ليس له الكون قدراً في المكان، الذي طرد عنه، وأبعد منه، لا على سبيل الاستقرار، ولا على سبيل المرور، والاجتياز‏.‏


قالوا‏:‏ ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن، أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له‏:‏ ‏{‏هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏‏.‏


وبقوله‏:‏ ‏{‏مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 20-21‏]‏‏.‏


وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما‏.‏


وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة، على سبيل المرور فيها، لا على سبيل الاستقرار بها، أو أنه وسوس لهما، وهو على باب الجنة، أو من تحت السماء، وفي الثلاثة نظر، والله أعلم‏.‏


ومما احتج به أصحاب هذه المقالة، ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد، في ‏(‏الزيادت‏)‏ عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن البصري، عن يحيى بن ضمرة السعدي، عن أبي بن كعب، قال‏:‏


إن آدم لما احتضر اشتهى قطفاً من عنب الجنة، فقالوا لهم‏:‏ ارجعوا فقد كفيتموه، فانتهوا إليه، فقبضوا روحه، وغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلَّى عليه جبريل، ومن خلفه من الملائكة، ودفنوه‏.‏ وقالوا‏:‏ هذه سنتكم في موتاكم‏.‏ وسيأتي الحديث بسنده، وتمام لفظه، عند ذكر وفاة آدم عليه السلام‏.‏


قالوا‏:‏ فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة، التي كان فيها آدم، التي اشتهى منها القطف ممكناً، لما ذهبوا يطلبون ذلك، فدل على أنها في الأرض، لا في السماء، والله تعالى أعلم‏.‏


قالوا‏:‏ والاحتجاج بأن الألف، واللام، في قوله‏:‏ ‏{‏ويَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ‏}‏ لم يتقدم عهد يعود عليه، فهو المعهود الذهني مسلم، ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام، فإن آدم خلق من الأرض، ولم ينقل أنه رفع إلى السماء، وخلق ليكون في الأرض، وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً‏}‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 85‏)‏


قالوا‏:‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 17‏]‏‏.‏ فالألف واللام، ليس للعموم، ولم يتقدم معهود لفظي، وإنما هي للمعهود الذهني، الذي دل عليه السياق، وهو البستان‏.‏


قالوا‏:‏ وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ الآية 48‏]‏‏.‏


وإنما كان في السفينة، حين استقر على الجودي، ونضب الماء عن وجه الأرض، أمر أن يهبط إليها، هو ومن معه مباركاً عليه وعليهم‏.‏


وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ الآية 61‏]‏‏.‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ الآية 74‏]‏، وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير‏.‏


قالوا‏:‏ ولا مانع، بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم، كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض، ذات أشجار، وثمار، وظلال، ونعيم، ونضرة، وسرور‏.‏


كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 118‏]‏‏.‏


أي لا يذل باطنك بالجوع، ولا ظاهرك بالعرى‏.‏


‏{‏وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى‏}‏ أي‏:‏ لا يمس باطنك حر الظمأ، ولا ظاهرك حر الشمس‏.‏


ولهذا قرن بين هذا وهذا، وبين هذا وهذا، لما بينهما من الملاءمة‏.‏


فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة، التي نهى عنها، أهبط إلى أرض الشقاء، والتعب، والنصب، والكدر، والسعي، والنكد، والابتلاء، والاختبار، والامتحان، واختلاف السكان ديناً، وأخلاقاً، وأعمالاً وقصوداً، وإرادات، وأقوالاً، وأفعالاً، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 36‏]‏‏.‏


ولا يلزم من هذا، أنهم كانوا في السماء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 104‏]‏، ومعلوم أنهم كانوا فيها، لم يكونوا في السماء‏.‏


قالوا‏:‏ وليس هذا القول مفرعاً على قول من ينكر وجود الجنة، والنار اليوم، ولا تلازم بينهما، فكل من حكى عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف، ممن يثبت وجود الجنة، والنار اليوم، كما دلت عليه الآيات، والأحاديث الصحاح، كما سيأتي إيرادها في موضعها، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 86‏)‏


وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا‏}‏ أي‏:‏ عن الجنة ‏{‏فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ‏}‏ أي من النعيم، والنضرة، والسرور، إلى دار التعب، والكد، والنكد، وذلك بما وسوس لهما، وزينه في صدورهما، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 20‏]‏‏.‏


يقول‏:‏ ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين‏.‏ أي‏:‏ ولو أكلتما منها، لصرتما كذلك ‏{‏وَقَاسَمَهُمَا‏}‏ أي حلف لهما على ذلك ‏{‏إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏}‏ كما قال في الآية الأخرى ‏{‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى‏}‏ أي هل أدلك على الشجرة، التي إذا أكلت منها، حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم، واستمررت في ملك لا يبيد، ولا ينقضي، وهذا من التغرير، والتزوير، والإخبار بخلاف الواقع‏.‏


والمقصود‏:‏ أن قوله شجرة الخلد، التي إذا أكلت منها خلدت، وقد تكون هي الشجرة التي قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها شجرة الخلد‏)‏‏)‏‏.‏


وكذا رواه أيضاً عن غندر، وحجاج عن شعبة‏.‏


ورواه أبو داود الطيالسي، في ‏(‏مسنده‏)‏ عن شعبة أيضاً به‏.‏


قال غندر‏:‏ قلت لشعبة هي شجرة الخلد، قال‏:‏ ليس فيها هي‏.‏


تفرد به الإمام أحمد‏.‏


وقوله ‏{‏فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 22‏]‏‏.‏ كما قال في طه ‏{‏فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 121‏]‏‏.‏


‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏


‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ قال الله تعالى‏:‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏


وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم، وهي التي حدته على أكلها، والله أعلم‏.‏


وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري‏:‏ حدثنا بشر بن محمد، حدثنا عبد الله أنبأنا معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏:‏


‏(‏‏(‏لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها‏)‏‏)‏ تفرد به من هذا الوجه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 87‏)‏


وأخرجاه في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام عن، أبي هريرة به‏.‏


ورواه أحمد، ومسلم، عن هارون بن معروف، عن أبي وهب، عن عمرو بن حارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة به‏.‏


وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب‏:‏ أن الذي دل حواء على الأكل من الشجرة، هي الحية‏.‏ وكانت من أحسن الأشكال، وأعظمها، فأكلت حواء عن قولها، وأطعمت آدم عليه السلام، وليس فيها ذكر لإبليس فعند ذلك انفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التين، وعملا ميازر، وفيها أنهما كانا عريانين‏.‏


وكذا قال وهب بن منبه‏:‏ كان لباسهما نوراً على فرجه وفرجها‏.‏


وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم، وتحريف، وخطأ في التعريب، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة، لا يكاد يتيسر لكل أحد، ولا سيما ممن لا يعرف كلام العرب جيداً، ولا يحيط علماً بفهم كتابه أيضاً، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظاً ومعنى‏.‏


وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس، في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏ينزع عنهما لباسهما، ليريهما سوآتهما‏)‏‏)‏ فهذا لا يرد لغيره من الكلام، والله تعالى أعلم‏.‏


وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسن بن اسكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن، عن أبي كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته، جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها فناداه الرحمن عز وجل‏:‏ يا آدم مني تفر، فلما سمع كلام الرحمن قال‏:‏ يا رب لا، ولكن استحياء‏)‏‏)‏‏.‏


وقال الثوري‏:‏ عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ‏{‏وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ‏}‏ ورق التين‏.‏


وهذا إسناد صحيح إليه، وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب، وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك، وبتقدير تسليمه فلا يضر، والله تعالى أعلم‏.‏


وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن البصري، عن أبي بن كعب، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق، ستين ذراعاً، كثير الشعر، موارى العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته، فخرج من الجنة، فلقيته شجرة، فأخذت بناصيته، فناداه ربه أفراراً مني يا آدم‏؟‏ قال‏:‏ بل حياء منك، والله يا رب مما جئت به‏)‏‏)‏‏.‏


ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن، عن يحيى بن ضمرة، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏


وهذا أصح فإن الحسن لم يدرك أبياً‏.‏


ثم أورده أيضاً من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسي، عن محمد بن عبد الوهاب أبي قرصافة العسقلاني، عن آدم بن أبي إياس، عن شيبان عن قتادة، عن أنس مرفوعاً بنحوه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 88‏)‏


‏{‏وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 22 - 23‏]‏‏.‏


وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة، وتذلل، وخضوع، واستكانة، وافتقار إليه تعالى، في الساعة الراهنة‏.‏ وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه‏.‏


‏{‏قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 24‏]‏‏.‏


وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس، قيل‏:‏ والحية معهم، أمروا أن يهبطوا من الجنة، في حال كونهم متعادين متحاربين‏.‏


وقد يستشهد لذكر الحية معهما، بما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بقتل الحيات، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما سالمناهن منذ حاربناهن‏)‏‏)‏‏.‏


وقوله في سورة طه‏:‏ ‏{‏قَاْلَ اِهْبِطَا مِنّهَا جَمِيْعَاً ببَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123‏]‏‏.‏


هو أمر لآدم وإبليس، واستتبع آدم حواء، وإبليس الحية‏.‏


وقيل‏:‏ هو أمر لهم بصيغة التثنية، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78‏]‏‏.‏


والصحيح أن هذا لما كان الحاكم، لا يحكم إلا بين اثنين‏:‏ مدع، ومدعى عليه، قال‏:‏ وكنا لحكمهم شاهدين‏.‏


وأما تكريره الإهباط في سورة البقرة، في قوله‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 36 - 39‏]‏‏.‏


فقال بعض المفسرين‏:‏ المراد بالإهباط الأول‏:‏ الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا، وبالثاني‏:‏ من السماء الدنيا إلى الأرض‏.‏ وهذا ضعيف لقوله في الأول‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعَاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ فدل على أنهم أهبطوا إلى الأرض بالإهباط الأول، والله أعلم‏.‏


والصحيح‏:‏ أنه كرره لفظاً، وإن كان واحداً وناط مع كل مرة حكماً، فناط بالأول‏:‏ عداوتهم فيما بينهم، وبالثاني‏:‏ الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك، فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الكريم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 89‏)‏


وروى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال‏:‏ أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره، فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحلَّ ميكائيل الإكليل عن جبينه، وتعلق به غصن، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه، يقول‏:‏ العفو العفو‏.‏ فقال الله‏:‏ فراراً مني‏.‏ قال‏:‏ بل حياء منك يا سيدي‏.‏


وقال الأوزاعي عن حسان، هو ابن عطية‏:‏ مكث آدم في الجنة مائة عام‏.‏ وفي رواية ستين عاماً، بكى على الجنة سبعين عاماً، وعلى خطيئته سبعين عاماً، وعلى ولده حين قتل أربعين عاماً، رواه ابن عساكر‏.‏


وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال‏:‏ أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال له دحنا، بين مكة والطائف‏.‏


وعن الحسن قال‏:‏ أُهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة، على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان، رواه ابن أبي حاتم أيضاً‏.‏


وقال السدي‏:‏ نزل آدم بالهند، ونزل معه بالحجر الأسود، وبقبضة من ورق الجنة، فبثه في الهند، فنبتت شجرة الطيب هناك


وعن ابن عمر قال‏:‏ أُهبط آدم بالصفا، وحواء بالمروة‏.‏ رواه ابن أبي حاتم أيضاً‏.‏


وقال عبد الرزاق‏:‏ قال معمر‏:‏ أخبرني عوف عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري، قال‏:‏ إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير‏.‏


وقال الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏‏:‏ أنبأنا أبو بكر بن بالوية، عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمر، عن زائدة، عن عمار بن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال‏:‏ ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس‏.‏


ثم قال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه‏.‏


وفي صحيح مسلم من حديث الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها‏)‏‏)‏‏.‏


وفي الصحيح من وجه آخر‏:‏ ‏(‏‏(‏وفيه تقوم الساعة‏)‏‏)‏‏.‏


وقال أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار، عن عبد الله بن فروخ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏


‏(‏‏(‏خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة‏)‏‏)‏‏.‏ على شرط مسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 90‏)‏


فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر، من طريق أبي القاسم البغوي، حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، حدثنا سعيد بن ميسرة، عن أنس، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏هبط آدم وحواء عريانين جميعاً، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى قعد يبكي، ويقول لها‏:‏ يا حواء قد أذاني الحر‏.‏


قال‏:‏ فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل، وعلمها، وأمر آدم بالحياكة، وعلمه أن ينسج‏.‏


وقال‏:‏ كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة، حتى هبط منها، للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة‏.‏


قال‏:‏ وكان كل واحد منهما ينام على حدة، ينام أحدهما في البطحاء، والآخر من ناحية أخرى، حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله‏.‏


قال‏:‏ وعلمه كيف يأتيها، فلما أتاها، جاءه جبريل فقال‏:‏ كيف وجدت امرأتك‏:‏ قال‏:‏ صالحة‏)‏‏)‏‏.‏


فإنه حديث غريب، ورفعه منكر جداً‏.‏


وقد يكون من كلام بعض السلف، وسعيد بن ميسرة هذا، هو أبو عمران البكري البصري، قال فيه البخاري‏:‏ منكر الحديث‏.‏


وقال ابن حبان يروي الموضوعات‏.‏


وقال ابن عدي‏:‏ مظلم الأمر‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 37‏]‏‏.‏


قيل‏:‏ هي قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 23‏]‏‏.‏


روى هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏


وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عصام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏قال آدم عليه السلام‏:‏ أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة‏؟‏


قال‏:‏ نعم‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 37‏]‏‏)‏‏)‏‏.‏


وهذا غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع‏.‏


وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ الكلمات‏:‏ اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين


اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب، إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين


اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم‏.‏


وروى الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ‏}‏ قال‏:‏


قال آدم‏:‏ يا رب ألم تخلقني بيدك‏.‏ قيل له‏:‏ بلى‏.‏


ونفخت في من روحك‏.‏ قيل له‏:‏ بلى‏.‏


وعطست فقلت‏:‏ يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك‏.‏ قيل له‏:‏ بلى


وكتبت علي أن أعمل هذا‏.‏ قيل له‏:‏ بلى‏.‏


قال‏:‏ أفرأيت إن تبت، هل أنت راجعي إلى الجنة‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 91‏)‏


ثم قال الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه‏.‏


وروى الحاكم أيضاً، والبيهقي، وابن عساكر، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏


‏(‏‏(‏لما اقترف آدم الخطيئة، قال يا رب‏:‏ أسألك بحق محمد أن غفرت لي‏.‏


فقال الله‏:‏ فكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد‏.‏


فقال يا رب‏:‏ لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش، مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك‏.‏


فقال الله‏:‏ صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك‏)‏‏)‏‏.‏


قال البيهقي‏:‏ تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه، وهو ضعيف، والله أعلم‏
نبض القلوب وروح الفؤاد
الله عليك يا اسلام بجد الكتاب ده تححححفة بجد دينية وعلمية وسبحان الله فعلا كتاب فيه
إبداع وأكتر من رائع

وكمااااااااااااان زي ما عودتنا موضوعات أكتر من رائعة ...لأن الإنسان الرائع لازم كل موضوعاته تكون زيه
تسلم ايديك ياعاشق

النبض والروح
عاشق الساهر
اشكرك يا نبض


اخيرآ حد شجعنى انى اكمل
نـور القمر
تسلم و الله يا ابنى

قصدى يا اسلام


انا مش لاحقة اخلص كله بس اوعدك انى باذن الله هكمل للاخر
عاشق الساهر
قصة قابيل وهابيل

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 27- 31‏]‏‏.‏

قد تكلمنا على هذه القصة، في سورة المائدة، في التفسير بما فيه كفاية، ولله الحمد‏.‏

ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك، فذكر السدي، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة‏:‏

أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى، وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وكان أكبر من هابيل، وأخت هابيل أحسن، فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قرباناً‏.‏

وذهب آدم ليحج إلى مكة، واستحفظ السماوات على بنيه، فأبين، والأرضين، والجبال فأبين، فتقبل قابيل بحفظ ذلك‏.‏

فلما ذهب قربا قربانهما، فقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه، فنزلت نار، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال‏:‏ لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال‏:‏ إنما يتقبل الله من المتقين‏.‏

وروي عن ابن عباس، من وجوه أخر‏.‏

وعن عبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو‏:‏ وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده‏.‏

وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشراً لتقربهما القربان، والتقبل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم‏:‏ إنما تقبل منه لأنك دعوت له، ولم تدع لي، وتوعد أخاه فيما بينه وبينه، فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي، فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به، فلما ذهب إذا هو به فقال له‏:‏ تقبل منك، ولم يتقبل مني، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ فغضب قابيل عندها، وضربه بحديدة كانت معه فقتله‏.‏

وقيل‏:‏ إنه إنما قتله بصخرة، رماها على رأسه، وهو نائم، فشدخته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 1/ 104‏)‏

وقيل‏:‏ بل خنقه خنقاً شديداً وعضاً، كما تفعل السباع فمات‏.‏ والله أعلم‏.‏

وقوله له لما توعده بالقتل‏:‏ ‏{‏لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 28‏]‏‏.‏

دل على خلق حسن، وخوف من الله تعالى، وخشية منه، وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله‏.‏

ولهذا ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار‏.‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ هذا القاتل، فما بال المقتول‏؟‏

قال‏:‏ إنه كان حريصاً على قتل صاحبه‏)‏‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 29‏]‏‏.‏

أي‏:‏ إني أريد ترك مقاتلتك، وإن كنت أشد منك وأقوى، إذ قد عزمت على ما عزمت عليه، أن تبوء بإثمي وإثمك، أي تتحمل إثم قتلي مع ما لك من الآثام المتقدمة قبل ذل