حسن فتحي
شاعر العمارة: فشلت مشاريعُه وبقي حلمُه
البساطة المغدورة والمستحيلة

أقام معهد العالم العربي في باريس، منذ فترة، معرضا استعاديًّا للمهندس المعماري المصري حسن فتحي. تضمن المعرض رسومًا
ومخططاتٍ وصورًا فوتوغرافية تغطي مفاصل رئيسية في مسيرته الإبداعية الغنية والفريدة من نوعها.
عرف فلاحو الصعيد حسن فتحي قبل سواهم من أبناء الشعب المصري، وعرفه أساتذة المعمار الأوروبيون قبل الكثيرين ممَّن كان عليهم أن
يعرفوه في الوطن العربي.
وُلد في بداية القرن المنصرم، وكانت له معاناته الكبيرة من جراء سيطرة الثقافة التقليدية على أفكار مهندسي تلك الفترة، التي لم يَسْلَم منها
حتى زملاؤه الذين سايروا، وجاملوا، وقلدوا شتى النزعات القريبة الحديثة. وتنبثق أهمية حسن فتحي من تلك المعاناة، وتكمن تلك الأهمية
في أمر بسيط – والأمر البسيط يعكس، دائمًا، جوهر الحقيقة: لقد كان فتحي أول من شخَّص مركَّب النقص عند معماريينا بإزاء منجزات
العمارة الغربية. وقد يبدو هذا الأمر، في يومنا هذا، مسألة اعتيادية؛ فنحن محاطون بجملة من هذه الآراء التي نلحظ حضورها كلما جرى
الحديث على واقع العمارة العربية. لكن ما نسمعه اليوم كان قد أشار إليه فتحي، منذ وقت طويل، حين قال: "انظروا إلى الأرض التي تحت
أقدامكم ثم ابنوا." وما كتابه البناء مع الشعب سوى قصيدة فريدة لمهندس من نوع خاص.
عمارة الفقراء
نُشِرَ الكتاب، في الأصل، في العام 1969 بعنوان القرنة: قصة قريتين، في طبعة محدودة (بإشراف وزارة الثقافة المصرية)؛ وصدرت ترجمته
الفرنسية في العام 1970 بعنوان البناء مع الشعب؛ كما نُشِرَ في العام 1973 بواسطة جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وصدرت
الطبعة المصرية سنة 1989 بواسطة الجامعة الأمريكية في القاهرة؛ أما الترجمة العربية، شبه الكاملة، فقد ظهرت في العام 1991 بعنوان
عمارة الفقراء.
يقول فتحي في مقدمة كتابه: "أهدي كتابي هذا للفلاحين، وأودُّ لو كان من المستطاع أن أتوجَّه إليهم مباشرة، كي يتمكنوا من قراءته والحكم
عليه [كان معظم الفلاحين المصريين إن لم يكن كلهم، في منتصف القرن العشرين، من الأميين]. على أنه ينبغي، في الوقت الحالي، أن أتوجَّه
إلى أولئك الذين يقرِّرون مصائرهم، ويعملون على رفع مستوى معيشتهم، وهم المهندسون المعماريون والمخططون، وعلماء الاجتماع والإناسة،
والرسميون المحليون والقوميون والدوليون الذين يهتمون بالإسكان وبرفاهية الريف. كما أتوجَّه إلى السياسيين والحكومات في كلِّ مكان، وإلى
كلِّ من يعمل على تحديد السياسة الرسمية تجاه الريف."
وسياسة تنمية الأرياف تعني، في ما تعنيه، معالجة مشكلة رئيسية يتعرض لها الريفيون وتنعكس، بشكل أو بآخر، على أنماط سكنهم
وعمارتهم، وهي مشكلة الفقر. يقول وليام ر. بولك، رئيس معهد أدلاي ستيفنسون للشؤون الدولية، في مقدمة كَتَبَها لإحدى طبعات كتاب
حسن فتحي: "هناك مليار فرد على الأقل سوف يموتون موتًا مبكرًا ويعيشون حياة موقوفة النمو بسبب الإسكان المشوَّه وغير الصحي. وهذه المشكلة ستبقى بلا حلٍّ إذا ما عولجت بالطرق التقليدية. وتمدُّنا لجنة بيترسون، في دراستها التي قدَّمتْها إلى البنك الدولي، بمعطيات تبيِّن أنه لو حدث غير المحتمل وأعطى أغنياء العالم 1% من دخلهم للمساعدة على النهوض بفقراء الكرة الأرضية، فسوف يظل ما يقرب من ثلث سكان العالم يعيشون في مستويات من الفقر الماحق."
إن ما يقترحه حسن فتحي، من خلال أبحاثه وكتاباته ونشاطه العملي، هو شكل جديد من المشاركة. وما ينبغي أن يساهم به الفقراء، في هذه المشاركة، هو بالضرورة عملهم. كما أن لديهم، في أنحاء كثيرة من العالم، إمكانية العثور، بلا تكلفة كبيرة، على مادة بناء واحدة ممكنة، وهي التربة التي تجثو تحت أقدامهم. واستنادًا إلى هذين الشيئين: العمل والتربة، سيكون بإمكانهم إنجاز الكثير. على أن هناك مشاكل أخرى، تقنية في معظمها، لا يستطيعون حلَّها بأنفسهم، أو قد يتم حلُّها، في حال انعدام التوجيه، بطرق مكلفة أو قبيحة وغير سليمة. وهنا يبرز دور المهندس المعماري، الذي سيكون المرشد، في مشروع يعتمد أساسًا على الجهد الذاتي. وتتجلى مهارة المهندس عندئذٍ في مساعدة الناس على الوصول إلى حلٍّ رخيص للمشاكل التي قد تعترضهم.
نذكر هنا، على سبيل المثال، مسألة التسقيف التي هي من أصعب المشاكل التي تبرز في مجال البناء. وقد أدَّت محاولات حلِّ هذه المشكلة، في مناطق كثيرة، إلى خلق سقوف ثقيلة ومرهقة إلى حدٍّ هائل؛ وهي كثيرًا ما كانت تنهار بفعل الزلازل أو الأمطار الغزيرة. وكانت هذه السقوف مسؤولة عن عدد كبير من الوفيات المرعبة التي حدثت في تركيا وإيران ومناطق أخرى نتيجة للزلازل العنيفة. وقد وضع فتحي هذه المشكلة في سلَّم أولوياته خلال عمله على تقنيات بناء مساكن الفلاحين أو الناس الآخرين.
بين الحلم والواقع
كان فتحي، الذي ولد في القاهرة، من محبي الريف المصري منذ صغره. لكنه كان كمن يحب شيئًا لا يعرفه حقًّا، ولم يكن يراه إلا من نافذة القطار خلال رحلاته، مع أهله، من القاهرة إلى الإسكندرية لقضاء إجازة الصيف. أما والده الذي كان يمتلك العديد من الضياع في الريف، فقد كان يتجنب هذا الريف لاعتباره مكانًا مليئًا بالذباب والبعوض والماء الملوث؛ وكان يكتفي بالذهاب إليه، مرة كل سنة، ليلتقي بوكلائه في الأرض ويقبض الإيجار.
بسبب تلك العلاقة الدفينة مع الريف، حاول حسن فتحي الانتساب إلى كلية الزراعة؛ لكنه فشل في امتحان الدخول، فتوجَّه إلى كلية الفنون التطبيقية ليدرس العمارة ولتبدأ، بعد تخرجه، علاقة أخرى بالريف. كانت أولى زياراته لبيوت الفلاحين محبِطة، إذ فوجئ بالظروف المعيشية السيئة لهؤلاء الناس: "لم تكن لديَّ، حتى ذلك الوقت، أية فكرة عن القذارة المخيفة والقبح الذي يعيش فيه الفلاحون في عزبة. شاهدت مجموعة أكواخ من الطين منخفضة، مظلمة، قذرة، بلا نوافذ ولا مراحيض، ولا حتى مياه نظيفة." وقد حلَّت هذه الصورة لديه مكان الصورة الأولى للجنَّة الريفية التي كان يرسم صورها في ذهنه، وهو خلف نافذة القطار.
بعد هذه الانطباعات المتناقضة، طرح فتحي تساؤلاً منطقيًّا: كيف يمكن لأيِّ فلاح مصري يملك فدانًا واحدًا من الأرض أن يبني منزلاً خاصًّا به، في حين يعجز صاحب الأرض الميسور، الذي يملك أكثر من مئة فدان، عن تحمُّل كلفة بناء منزل؟ ورأى أن الإجابة البسيطة عن هذا التساؤل تكمن في قدرة الفلاح على بناء بيته، بنفسه، من الطين أو من الطوب الذي يستخرجه من الأرض ويجففه في الشمس. وقد شكَّلت هذه الإجابة حلاً للمشكلة المطروحة؛ إذ خلال سنين وقرون كان الفلاح يستثمر، بحكمة وروية، مادة البناء الظاهرة. وهذه الحكمة لم تَرِدْ في برامج التعليم الحديثة التي تدفع الطلاب إلى استعمال المواد المصنَّعة العالية الكلفة، التي قد تعتبر فكرة اللجوء إلى الطين ضربًا من الهزل. ولا شك في أن بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة ولا تلبي حاجات الراحة العصرية؛ لكن ذلك ليس نتيجة لخطأ في مادة البناء بحدِّ ذاتها، بل لضعف في التصميم وحسن الاختيار. ففي حال توفرت إمكانات التخطيط، التي يفتقدها منزل الفلاح، يمكن ساعتئذٍ تعميم المسألة، بحيث تُبنى منازل الفلاحين والمُلاَّك من المواد ذاتها وتتوفر، في الحالتين، شروط الراحة والذوق الجمالي.
صنع فتحي عدة تصاميم لبيوت ريفية من طوب اللبن، وأقام في العام 1937 معرضًا في المنصورة ثم في القاهرة، حيث ألقى محاضرة عن تصوره للبيت الريفي. وقد أتت هذه المحاضرة بالثمار المطلوبة، إذ أتيحت له عدة فرص للبناء حسب نظريته الخاصة. كان أصحاب الطلبيات من الميسورين الذين وعدوا أنفسهم ببيوت جميلة وغير مكلفة. وقد سار تنفيذ المخططات على ما يرام إلى أن بلغت مرحلة بناء السقف، حيث تبين أن اللجوء إلى الخشب كعنصر دعم سيزيد من التكلفة وسيعيد الأمور إلى نقطة الصفر. وباءت محاولات الاستغناء عن الدعامات الخشبية بالفشل، إلى أن استعان فتحي ببنَّائين من منطقة أسوان، بعدما كان قد رأى بيوتًا هناك، خلال رحلة قام بها في العام 1941، وقد بنيت قبابها من طوب اللبن من دون استعمال أية دعامة خشبية. وقد قام البنَّاؤون، الذي ورثوا هذه التقنية عن أجدادهم، بهذا العمل بسرعة مدهشة وبدون أية أدوات هندسية، وجاءت النتيجة على درجة عالية من الدقة أدهشت فتحي الذي وجد فيها حلاً لمعضلة شائكة.
سرقة مقابر تتسبب في مشروع سكني
تقع القرنة على الضفة الغربية للأقصر فوق أنقاض مدينة طيبة القديمة، في مكان يحدُّه وادي الملوك من الشمال ووادي الملكات من الجنوب ومقابر النبلاء في الوسط، على سفح التل المواجه للأراضي الزراعية. وقد بنيت القرية على موقع مقابر النبلاء، ويسكنها حوالى 7000 فلاح في بيوت تتوزع على مجموعات تحيط بالقبور القديمة. وكان هؤلاء يعتاشون من إرث الماضي، بكلِّ ما في الكلمة من معنى؛ فقد اجتذبتْهم إلى هذه المنطقة قبورُ أجدادهم الأغنياء، وهي التي مثلت القاعدة الصلبة لاقتصادهم الذي اعتمد أساسًا على نهب تلك القبور الحافلة بأشياء ذات قيمة أثرية كبيرة. أما الأراضي الزراعية التي تحيط بهم فلم تكن لتكفي حاجاتهم المعيشية، إضافة إلى كونها ملكًا لعدد قليل من أثرياء المُلاَّك الزراعيين.
لكن سكان القرنة، الذين تحولوا مع الوقت إلى لصوص مقابر محترفين، ألحقوا الكثير من الضرر بتلك المقابر بعد نبشها بطريقة عشوائية، بحيث صار لزامًا على مصلحة الآثار أن تجد حلاً لتلك المشكلة. وقد أصدرت مراسيم تقضي بنزع ملكية الأرض من الفلاحين، لكنها بقيت حبرًا على ورق؛ فتنفيذ تلك المراسيم كان من شأنه أن يخلق مشكلة أخرى: نقل سبعة آلاف فرد من هناك والتعويض عليهم بعد إيجاد مكان آخر لهم. لكن هؤلاء، حسب كلام حسن فتحي، "لن ينالوا من المال ما يكفي لشراء أراضٍ جديدة وبناء بيوت جديدة. وحتى لو تم تعويضهم بسخاء فانهم سينفقون النقود في اتخاذ مزيد من الزوجات، وبهذا سيصبحون مشردين بلا أرض ولا مال". وكان الحل الوحيد هو إعادة تسكينهم؛ لكن الاقتراح كان باهظ التكلفة.
في ذلك الوقت، خطرت فكرة الاستعانة بحسن فتحي، على نحو مستقل، لكلٍّ من عثمان رستم، مدير قسم الهندسة والحفريات، وم. ستوبلير، مدير قسم الترميم في مصلحة الآثار. وكان الاثنان على علم بنماذج فتحي وتصاميمه التي طُبِّقَت في بناء بيوت الجمعية الملكية الزراعية في القاهرة في العام 1937، وبيت الهلال الأحمر؛ وقد تركت طريقة استعمال مادة البناء، ورخص كلفة استخدامها، لديهما انطباعًا جيدًا. وبالتالي فقد اقترح كلٌّ منهما على الأب درايتون، المدير العالم لمصلحة الآثار، الاتصال بفتحي بشأن قرية القرنة الجديدة، فوافق درايتون على الاقتراح بعد معاينته المباني التي نفذها المهندس. ونتيجة لذلك أتيحت الفرصة لفتحي كي يحقق حلمًا كان يراوده منذ وقت طويل.
كان مشروع القرنة بالنسبة لفتحي عبارة عن تجربة ومثال في آنٍ واحد، وكان يأمل أن تتحول تلك القرية إلى نموذج يُحتذى في عملية بناء الريف المصري بكامله؛ كما كان يأمل أيضًا أن يتلمس عامة الناس إمكانية أن يكون المسكن جيدًا ورخيصًا، اعتمادًا على قاعدة "ابنِ بيتك بنفسك".
وفي سعيه لنقل المعلومات والخبرة إلى بنَّائي المستقبل، الذين سيؤدون العمل بأنفسهم، كان عليه أن يشرع في بناء القرية بدءًا من العنصر الأساسي: تراب الأرض، وأن يهتم بأصغر التفاصيل العملية ويوضح كيفية القيام بها، إضافة إلى تقدير كلفتها. وكان على الفلاحين العمال أن يصنعوا الطوب بأنفسهم، وأن يحفروا الطين ويستخرجوا الجير ويقطِّعوا الحجارة؛ وهم يقومون هنا بكل المهام التي يعهد بها عادة، في معظم المشاريع المماثلة، إلى مقاولين محترفين.
المشروع المتعثر
لكن الأمور لم تجرِ تمامًا بحسب ما أراده فتحي لأسباب عديدة، أبرزها الطابع البيروقراطي للسلطات المصرية المسؤولة التي لم تفِ بتعهداتها المالية من أجل تمويل بناء القرية الجديدة وفقًا للجدول الزمني الموضوع أساسًا؛ وكان التأخير في صرف الأموال اللازمة من أجل شراء بعض المواد، التي لا يمكن استخراجها من الأرض، أو لدفع أجور العمال، سببًا في إعاقة تقدم المشروع. أما الأسباب الباقية فيتعلق معظمها بطبيعة الفلاحين أنفسهم؛ إذ رفض بعضهم ترك القرنة القديمة التي تمثل بنيتها التحتية "منجمًا أثريًّا"، أي مصدرًا اقتصاديًّا؛ ولم يتفهَّم بعضهم الآخر طبيعة المشروع ومعناه المعماري والثقافي.
كلُّ هذه الأسباب أدَّت، مجتمعة، إلى تأخير كبير في تنفيذ المخطط الأساسي الذي وضعه فتحي، بحيث سار التنفيذ على مراحل ثلاث امتدت ما بين أعوام 1945 و1948. ثم توقف العمل ولم يكتمل بناء القرية أبدًا، مما دفع بفتحي إلى نوع من الإحباط جعله يقول: "لم تكن القرنة بالنسبة لي هدفًا في ذاتها، وإنما هي خطوة تجريبية على الطريق إلى تجديد الريف المصري. [...] إلا أن تجربة القرنة أصابها الفشل، ولم تكتمل القرية قط؛ وهي، حتى يومنا هذا، لم تصبح مجتمعًا قرويًّا مزدهرًا. ولن يكون من الصحيح الافتراض أن المبادئ التي وضعناها ستنجح بشكل أوتوماتيكي عند تطبيقها. وفي نفس الوقت فإني لن أكون منصفًا لنفسي، ولا لبلدي، لو بقيتْ هذه المبادئ مدانة أو مرفوضة بسبب فشل المحاولة الأولى لتطبيقها."
ويمكن طبعًا أن نتفهم خيبة أمل حسن فتحي: فقد وضع لنفسه أهدافًا كبيرة، وكان أيُّ إخلال بجزء من ذلك "الحلم" يعني، بالنسبة إليه، فشلاً ذريعًا. ولكن، من ناحية أخرى، يجب اعتبار ما تمَّ تنفيذه من قرية القرنة الجديدة إنجازًا على جانب كبير من الأهمية. أما ما اعتبره فتحي فشلاً، فهو، بالنسبة لنا، أشبه بالنجاح النسبي، غير المكتمل، في مهمة صعبة ومعقدة.
الأسلوب اللغز
بعد مشروع القرنة، أي في الخمسينيات، غادر حسن فتحي مصر لفترة من الزمن نحو مدينة أثينا – وهي فترة محاطة بالألغاز، غاص المهندس خلالها في بحر النظريات الإنسانية الشمولية الملتصقة، بشكل أو بآخر، بموضوع المسكن. وسيُنتِج، في تلك المرحلة، هندسة ذات وجه عالمي لا تشبهه تمامًا؛ ثم سيعود إلى مصر وإلى خطِّه الأساسي كي يباشر، في العام 1967، ببناء قرية جديدة في باريص، في واحة الخارجة، حيث سيعمد إلى استعمال طرق طبيعية للتهوية (الملقف)، من أجل حماية المباني من درجات الحرارة المرتفعة. لكن، في هذه المرة أيضًا، توقف العمل في المشروع في منتصف الطريق، وعاد فتحي بعدها إلى تصميم الفيلات، كقصر موناستيراكي في القاهرة، الذي استلهم في تصميمه قصور البوسفور، وبيت فؤاد رياض في الجيزة.
بيت
في العام 1980 تلقى فتحي دعوة من التجمع الإسلامي في أبيكيو، في نيومكسيكو (الولايات المتحدة الأمريكية)، لبناء دار الإسلام. وسيعود هناك إلى تقنياته المعهودة. لكن المشروع لم يكتمل؛ إذ لم ينفَّذ منه سوى المسجد. وقد أجبرت الظروف المناخية القاسية والأمطار الموسمية، إضافة إلى الشروط القاسية للبناء في أمريكا، حسن فتحي على تغطية القباب بطبقة "جلدية" خاصة لحمايتها من الانجراف أو التفتت. كما أن تقوية الأساسات زاد من حجم الكلفة المخصَّصة سلفًا للمشروع، مما ساهم في "هرب" المقاولين السعوديين، أصحاب المشروع. وبرغم ذلك، فقد وقفت المجموعة المعمارية العالمية إلى جانب حسن فتحي، فنال الجائزة الخاصة لمؤسسة الآغا خان نظرًا لإسهاماته في عمارة العالم الإسلامي، وهي واحدة من علامات التقدير الكثيرة التي حصل عليها خلال مسيرته؛ إذ كان قد نال أيضًا الجائزة الوطنية للفنون والآداب في القاهرة في العام 1969، إضافة إلى جوائز أخرى.
ونتذكر حسن فتحي اليوم كذاك المهندس الفريد، صاحب الرؤية الجديدة، الذي ترك تأثيرًا واضحًا على أجيال كاملة من المعماريين، وكذاك الإنسان الشاعر والمفكر الإنساني، صاحب الأسلوب الذي سيبقى لغزًا، أو أسطورة ربما، تدور أحداثها في "قصر من رمال"!
*** *** ***
عن السفير، 16/5/2003
هندسة معمارية جديدة تصلح للأغنياء والفقراء
إستراحة السادات

عمل من أعمال حسن فتحي يعُد حسن فتحي من أبرز المعماريين المصريين في القرن العشرين. فهو الذي اعاد الإعتبار لفن البناء بالطوب اللبن، والمنتشر في قرى ومدن العالم الثالث. متحف فرانكفورت للهندسة المعمارية يقدم معرضا لرسومه. تقرير إنغبورغ فلاغة
كان حسن فتحي يؤمن بالمسؤولية الاجتماعية للمهندس المعماري وكرس حياته لها. وقد أنفق كل ما اكتسبه، من بناء العديد من الفيلات الفاخرة لعملائه الأغنياء، في بناء بيوت وقرى للفلاحين الفقراء. وكان هؤلاء هم الزبائن الذين خدمهم بالفعل، حيث يقول عنهم:
"إن الزبون الذي كان يهمني يظهر كنموذجا بين الـ 800 مليون الذين تقول عنهم الاحصائيات أن البشر في العالم الثالث مكتوب عليهم الموت مبكرا لأنهم يعيشون تحت ظروف سيئة. وهذا هو الزبون الذي يجب على المهندس المعماري خدمته، ولكن المهندسين المعماريين لا يعيرون هؤلاء الفقراء اهتماما. فهم مثل الأطباء الحفاة في الصين، والفقراء يحتاجون أيضا إلى مهندسين معماريين حفاة".
عمارة من الطوب
ولد حسن فتحي في الاسكندرية عام 1900، وتُوفي عام 1989، ويعد أشهر المهندسين المعماريين المصريين في القرن العشرين. ولا يكاد يكون معروفا في ألمانيا، ولم يكن مرغوبا فيه مدة حياته في بلده، ولكن بعد خمسة وعشرين عاما من وفاته نجد الذين عرفوه ما زالوا شغوفين به وبقدراته الخارقة وحسه المعماري.
إن عمارة حسن فتحي كانت غالبيتها فقط من الطوب اللبن، وكانت على قدر عال من الجمال والتصميم المعماري الذي يشبه النحت، والأسقف المتينة، والفناءات الأنيقة، والنوافذ ذات القضبان التي تسمح بدخول أشعة الشمس. وقد أعطى الأبنية نوعا من الحيوية من خلال النوافذ الزجاجية أو الخشبية التي تتحكم في الضوء الداخل إلى الباحات والفناءات، كما في المدارس والجوامع والمسارح والأسواق والمصانع.
وأشد ما يعجب المشاهد الأوروبي من تصميمات المهندس فتحي المعمارية أشكالها الكبيرة المجردة، التي تبدوا في ظاهرها غريبة ومثيرة. فالطين يساعده على تشكيل المعالم الانسيابية وتموّج خطوط ذات جاذبية حساسة. ويكمن وراء ذلك يقينه بأن "طريق القواعد مستقيم وطريق الجَمال متعرج".
وقد اتبع هذا المبدأ في أحد مشروعات القرى الرائعة المسمى "القرنة الجديدة"، حيث خرج عن القواعد الهندسية المحكمة ورسم شوارع منسابة وحارات منحنية برقّة. وبهذا خلق جوا مليء بالزوايا الجديدة للرؤية أثناء التجول فيها.
التراث الفرعوني وقدسية المكان
وكانت أهم انجازات المهندس حسن فتحي هي إعادة استخدام طريقة البناء التقليدية بالطوب اللبن – التي أصبحت مبادئها في طي النسيان - في فن العمارة المصرية الحديثة. واستطاع عن طريق الاستعانة ببنائين من النوبة أن يحيي عصر النهضة في تقنية بناء البيوت بالطوب اللبن وتسقيفها بالقبب والأقبية، وطبقها في مشروعات في مصر والسعودية والهند واليونان.
ومن القرى رفيعة المستوى التي بنيت بالطوب اللبن "قرية دار السلام" في نيومكسيكو بالولايات المتحدة الأمريكية. وهذه القرية المنخفضة في مقابل ساتر الجبال الشاهقة تعتبر أفضل برهان على قوة تحمل التقنية المعمارية للمهندس فتحي إذا ما طبقها الانسان وأحبها واعتني بها.
وأخفقت مباني المهندس فتحي في مصر لأن السلطات امتنعت عن التعاون معه، واعتبر زملاؤه - الذين تربوا في أوروبا وكانوا على علم بما يسري في العالم – فنه المعماري رومانسي وغير ملائم للعصر. أما زبائنه فكانوا في سبات وغير مؤهلين لاستيعاب أفكاره الحديثة.
إهانة في الوطن
لقد اعتبر المهندس فتحي - الذي ينتسب إلى عائلة عريقة - نفسه عضوا في سلسلة طويلة من المعماريين الذين تأصلوا في الاسلام وملزمون بالحفاظ على تقاليد البناء العربي. وهو من محبي جميع البلدان والشعوب، حيث يرى أن العالم كله وطنه، وأصبح معلما روحيا يوقره الناس. ولكن أستاذ المعمار المصري هذا - الذي أثرى فن البناء العربي - لم يحظ في بلده إلا بالإهانة والرفض.
وعلى الرغم من أنه درس الهندسة المعمارية في القاهرة بأسلوب غربي، إلا أنه لم يستطع – مثل الحضارة الأوروبية الحديثة – أن يقطع علاقته بالماضي كلية، ولم يكن على اقتناع بوجود طراز معماري عالمي. وقد كان المعمار بالنسبة له مرتبطا بالمكان والتقاليد وليس منتجا موحدا ولا بالكمية.
وكان كمهندس معماري يعتبر نفسه مرصدا للزلازل، وليس هو الذي يجد التصميم المعماري، بل الأماكن والمعايير والنسب هي التي تجده. ويقول: "توجد عند الفراعنة هندسة مقدسة، والأماكن لها أثر شافٍ، وهذه أسرار لا بد من استعادتها".
ولم تكن أبنية المهندس فتحي هي أهم إنجازاته فحسب، بل وأيضا قدرته على صياغة الصور والخيالات وعلى احتضان مبادئ البناء المصرية التي تبلغ من العمر قرونا وأن يظهر التقاليد التي كانت موجودة ولم تحظ بالاعجاب بعد.
وتظهر في نقوشه الرائعة – التي استخدمها بدلا من الرسومات الهندسية – اقتباسات من علم الآلهة عند قدماء المصريين إلى جانب البيوت المكعبة الشكل عديمة الجمال. فنجد قرية "القرنة الجديدة" يحرسها حتحور على شكل بقرة وأوزيريس على شكل شجرة جميز.
عمارة الفقراء
وكان حسن فتحي في حياته محام صبور ودؤوب مع الفقراء، ولا يرجع هذا لأنه كان يعتبر أبنيته المعمارية كفنّ بنائي اجتماعي فقط، بل لأنه كان مقتنعا أن المعمار يساعد على تحسن ظروف المعيشية للبشر، ويقول: "في البيت الجميل تجد الأرواح الفرصة للنمو والتحلق في السماء."
وقد صاغ في كتابه "عمارة الفقراء" الذي صدر عام 1969 قواعد يوجهها لكل مهندس معماري، حيث يقول: "لا ينبغي النظر إلى التصميم المعماري للفقراء على أنه علاج من مرض خطير. إن الموضوع يدور حول هندسة معمارية جديدة تصلح للأغنياء والفقراء على السواء، ومن المؤسف أن يحرم الفقراء من مزايا الجمال، لأن الفقر يرتبط في أذهان الناس بالقبح، وهذا من الخطأ. فكلما كان المشروع رخيصا، كلما تطلب عناية فائقة بما يوحي بالجمال".
بقلم إنغبورغ فلاغة
ترجمة عبد اللطيف شعيب
صدر المقال في صحيفة فرانكفورتر روندشاو
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005
تاريخ الصدور 25.02.2005 - التغيير الأخير 02.03.2005
حلم فيلسوف المعماريين حسن فتحي
تبخّر بين قريتين
«القرنة» تحولت إلى «خربة»
القاهرة: سوسن بشير
رغم أن إحياء تراث المعماري الفذ حسن فتحي بمقدوره أن يغير حياة الكثيرين، إلا أن الرجل نبذ بطريقة لا يمكن فهمها، ليس فقط أن الجامعة طردته من مناهجها، لكن حتى القرية التي اقامها بنفسه وأرادها نموذجاً حياً لنظريته في البناء، عبثت بها أيدي الخراب. فهل يمكن أن يكون اغتيال فكر حسن فتحي مجرد صدفة؟
«القرنة: قصة قريتين» هو العنوان الأصلي الذي اختاره شيخ المعماريين الراحل حسن فتحي للكتاب الذي وضع فيه فلسفته في البناء، وقد كتبه بالإنجليزية ونشرته وزارة الثقافة المصرية في طبعة محدودة جداً عام 1969، والعنوان الشائع للكتاب «عمارة الفقراء» كان من اختيار «جامعة شيكاغو» التي نشرت الكتاب عام 1973، ومن بعدها «الجامعة الأميركية» في القاهرة عام 1989. ثم تصدى لترجمته للعربية تحت نفس العنوان الشائع د. مصطفى إبراهيم بدوي، وصدر في عدة طبعات منها طبعة مكتبة الأسرة في «الهيئة العامة للكتاب»، فترسخ في الذهن أن عمارة حسن فتحي كانت للفقراء دون غيرهم. وعندما تعددت البيوت التي صممها حسن فتحي في المدن العربية المختلفة وكان منها لأمراء وأثرياء، كانت هذه نقطة النقد التي تناولها، من لم يتفهموا نظريات حسن فتحي. المعماري الذي لقب بشاعر العمارة، وشيخ المعماريين وفيلسوفهم، وألقاب أخرى تؤكد فرادته.
كان لا بد ونحن نتحدث عن فتحي في ذكرى ميلاده الخامس بعد المائة (ولد عام 1900 وتوفي عام 1989)، أن نعود لأطروحته، لنتفهم أن العمارة للفقراء كانت جزءاً أساسياً من فلسفة لها بعد شمولي عام.
فقد توجه فتحي في البداية لفلاحي العالم ومالكي الأراضي أيضاً، ووضع نظرية تتسم بالعدل بين أجزائها، أثبتت نجاحها لاحقاً في الريف والصحراء والمدن الجديدة، وطبقت أفكاره، بعد رحيله في غير مكانها. يقول فتحي في مؤلفه: «هذا الكتاب دعوة لموقف جديد لإصلاح الريف. إن مستوى المعيشة بين فلاحي العالم الفقراء، فقراً مدقعاً، هو ما يمكن رفعه بواسطة البناء التعاوني، الذي يتطلب تناولاً جديداً... وهذا التناول فيه ما هو أكثر من خالص الأمور التقنية... فهناك مسائل اجتماعية وحضارية ... وهناك المسألة الاقتصادية، وعلاقة المشروع بالحكومة، ولا يمكن أن تترك أي من هذه المسائل... والصورة الشاملة ستتشوه بحذف أي منها».
سقف للجميع
وحينما وضع حسن فتحي «الطوب اللبن» كأمل وحيد لإعادة بناء الريف، فهو الطوب الذي يُحفر من الأرض ويُجفف في الشمس، ويظل مادة بناء متوفرة، تأكد له أنه الحل لمشكلة السكن، خاصة بعد أن ذهب في رحلة معمارية إلى الأقصر جنوب مصر، وتفحص صوامع قمح الرامسيوم. وهي مخازن طويلة مقبية بنيت من الطوب اللبن منذ 3400 عام، وبدت له كمادة تتحمل تحملاً جيداً. ومن هنا نشأت فكرة أن يكون الطوب اللبن للجميع، فيقول فتحي «في كل عشة وكوخ متداع في مصر، كانت الإجابة على مشكلتي. فهنا طيلة السنين والقرون ظل الفلاح يستثمر بحكمة وهدوء مادة البناء الظاهرة، بينما نحن بأفكارنا الحديثة... لا نحلم أبداً باستخدام مادة مضحكة هكذا مثل الطين، لعملية خلق جدية للغاية. مثل المسكن.
ولكن لم لا؟ من المؤكد أن بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة و...، ولكن هذا ليس نتيجة خطأ من «الطوب اللبن». فليس هناك ما لا يمكن إصلاح أمره... لماذا لا نستخدم لبيوتنا في الريف هذه المادة... ولماذا ينبغي أن يكون هناك أي فارق بين بيت الفلاح، وبيت المالك؟ هيا نبنيهما معاً من الطوب اللبن، ونصممهما معاً تصميماً جيداً، وسوف يمكن لهما معاً أن يوفرا لمالكيهما الجمال والراحة».
كان جوهر نظرية حسن فتحي، استخدام عناصر البيئة المحيطة في البناء وعدم اللجوء لأي عنصر مستورد، وبالتالي ضمان بناء متوافق مع البيئة، ومنخفض التكاليف. هذا ما يؤكد عليه المعماري المصري د. طارق والي أحد تلامذة حسن فتحي، والذي لا يزال يتحدث عنه بوصفه «حسن بك» احتراماً له، فيقول إن هذا ما كان يطلق علية فتحي «يبني من تحت رجليه»، فقد استخدم الأساس دوماً من الحجارة، تحديداً الحجارة الجيرية، والبناء من «الطوب اللبن»، ثم التسقيف بالأقبية، بالطوب اللبن أيضاً، وبدون استخدام أي مشدات خشبية أو زلط أو اسمنت أو حديد تسليح. وحينما توفر سعف النخيل أمام فتحي أثناء عمله في تصميم وبناء قرية باريس بالواحات الخارجة، استخدمه في التسليح. فقد اكتشف فتحي في رحلاته ان ما يبنى في أسوان هو ما يبنى في الإسكندرية، بدون اعتبار لتغير المناخ والبيئة، لذا حينما كانت تجود عليه البيئة المحيطة بشيء مختلف كان يستخدمه، كاستخدامه للحجر الرملي أحياناً. بينما الناس تعتقد أن فكر فتحي هو الأقبية فقط، ويأخذون عليه بناءه للأغنياء وينسون أنه مهندس يشيّد للجميع، ويطبق نظريته على الكل، فلا يبني إلا بما يقدمه له المكان.
نهج الشيخ إلى اندثار
ويؤكد د. والي على معنى البناء التعاوني الذي هدف إليه فتحي، فقد علم الناس كيفية البناء بأنفسهم، وكان يؤمن بأن عشرة أشخاص معاً قادرون على بناء عشرة بيوت، أما الشخص الواحد فلن يستطيع بناء البيت الواحد، وهذا ما استطاع تحقيقه على أرض الواقع.
ويضيف د. والي «إن عمّال البناء اليوم الذين يتقنون البناء بالطوب اللبن بطريقة حسن فتحي أصبحوا قلة، ويطلبون الكثير من المال، لإقامة البناء الذي هدف فتحي في الأساس أن يكون منخفض التكلفة، وذلك لأن طريقة البناء نفسها آخذة في الاندثار برغم بقاء التجربة حية. كذلك فإن ثقافتنا العامة التي تشجع شعبان عبد الرحيم وتهجر أم كلثوم، لن تكون في سبيل إحياء تراث فتحي للأسف».
وسألت د. والي عن حلم فتحي في البر الغربي بمدينة الأقصر، الذي كتب لأجله كتابه وتمثل في قرية «القرنة الجديدة»، التي بناها لأجل انتقال سكان قرية «القرنة» اليها. هؤلاء الذين كانت بيوتهم فوق مقابر الآثار مباشرة، وكان اقتصادهم بتعبير فتحي ذاته «يعتمد تقريباً اعتماداً كليا على سرقة القبور... وكانوا من أبرع وأنجح اللصوص».
لكن لم ينتقل الأهالي للقرنة الجديدة وتركوها خراباً، سألت د. والي، هل كان السبب الوحيد، هو عدم رغبتهم في ترك بيوتهم التي تبيض ذهباً، واقعاً لا مجازاً، فأجاب بأن هذا كان السبب الرئيسي، لكن هناك أسباباً أخرى، غير متاجرة أهل القرنة في الآثار قبل صدور قانون الآثار، مثل كون أهل القرنة جبليين اكثر مما هم زراعيون، وكان من الصعب عليهم التحول تماماً لمجتمع زراعي. كما أن القرنة الجديدة أقيمت قبل بناء السد العالي، مما كان سيعرضهم للفيضان سنوياً. فالمسألة بالنسبة لهم لم تكن مجدية على المستوى الاقتصادي نهائياً، ولم يكونوا مستعدين لتغيير نمطهم العمراني والاجتماعي. وأكد د. والي على أن فكر فتحي كان يحارب أيضاً، لأنه فكر جديد ومختلف، فلم تعط له الفرصة ليقنع الناس بما أتاهم به.
الجامعات طردته من رحمتها
أما لماذا لا يدرس الأسلوب المعماري لفتحي في كليات الهندسة إلى اليوم، فأجاب د. والي «نظرياً لا يوجد ما يمنع تدريس أسلوبه، خاصة أنه نجح كما رأينا في الريف والصحراء والمدن الجديدة، بل وتطبقه الآن القرى السياحية الترفيهية، أي في غير ما قصده فتحي إطلاقاً. لكن المناهج في كليات الهندسة مستوردة في حقيقة الأمر، جميعها مناهج وأساليب غربية. والمهندسون لدينا يتخرجون ليطبقوا ما تعلموه فقط، أي نحن نحتاج لكسر هذه الحلقة المغلقة. ولدينا ما يسمى بسيكولوجية الأستاذ، فمن يدرس بطريقة لا يوجد لديه أي استعداد لأن يصبح تلميذاً من جديد».
وربما ما سكت عنه د. والي، هم أولئك الذين يربحون من وراء مصانع الإسمنت وحديد التسليح، ولا يريدون لفكر فتحي أن ينتشر فتبور سلعهم ويشفى الناس من أمراض الرئة. أما القرنة الجديدة التي بناها حسن فتحي في الأقصر، فقد شاهدت مبانيها التي شوهتها الأجيال الجديدة التي سكنتها، ولم تتدخل الحكومة التي تحدث فتحي عن دورها قبلاً، بشيء قط، فمنها ما تم هدمه تماماً واستبداله ببناء حديث بالطوب الأحمر والإسمنت وخلافه، ومنها ما احتفظ مالكوه بالأسوار الخارجية فقط ، أو بالطابق الأول في افضل الأحوال، ثم بنوا فوقه بعد إزالة الأقبية، ولم يتبق غير المسجد وقصر الثقافة، والسوق القديم المهجور إلا من الجمعية الزراعية، وبيت أو بيتين، يشهدان على حلم شيخ المعماريين الذي تبخر في الهواء.
روابط لبعض مشاريع حسن فتحى:
مشروع منزل عقيل سامي
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5161
قرية دار السلام بامريكا
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=1683
مدرسة فارس بمصر
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5181
فيلا المناستريلي
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5142
المعهد العالي للفنون الشعبية باسوان
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5136
قرية القرنة الجديدة بمصر والتي تعتبر من اهم اعمالة
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=1547
صور لقريه القرنه الجديده:


شاعر العمارة: فشلت مشاريعُه وبقي حلمُه
البساطة المغدورة والمستحيلة

أقام معهد العالم العربي في باريس، منذ فترة، معرضا استعاديًّا للمهندس المعماري المصري حسن فتحي. تضمن المعرض رسومًا
ومخططاتٍ وصورًا فوتوغرافية تغطي مفاصل رئيسية في مسيرته الإبداعية الغنية والفريدة من نوعها.
عرف فلاحو الصعيد حسن فتحي قبل سواهم من أبناء الشعب المصري، وعرفه أساتذة المعمار الأوروبيون قبل الكثيرين ممَّن كان عليهم أن
يعرفوه في الوطن العربي.
وُلد في بداية القرن المنصرم، وكانت له معاناته الكبيرة من جراء سيطرة الثقافة التقليدية على أفكار مهندسي تلك الفترة، التي لم يَسْلَم منها
حتى زملاؤه الذين سايروا، وجاملوا، وقلدوا شتى النزعات القريبة الحديثة. وتنبثق أهمية حسن فتحي من تلك المعاناة، وتكمن تلك الأهمية
في أمر بسيط – والأمر البسيط يعكس، دائمًا، جوهر الحقيقة: لقد كان فتحي أول من شخَّص مركَّب النقص عند معماريينا بإزاء منجزات
العمارة الغربية. وقد يبدو هذا الأمر، في يومنا هذا، مسألة اعتيادية؛ فنحن محاطون بجملة من هذه الآراء التي نلحظ حضورها كلما جرى
الحديث على واقع العمارة العربية. لكن ما نسمعه اليوم كان قد أشار إليه فتحي، منذ وقت طويل، حين قال: "انظروا إلى الأرض التي تحت
أقدامكم ثم ابنوا." وما كتابه البناء مع الشعب سوى قصيدة فريدة لمهندس من نوع خاص.
عمارة الفقراء
نُشِرَ الكتاب، في الأصل، في العام 1969 بعنوان القرنة: قصة قريتين، في طبعة محدودة (بإشراف وزارة الثقافة المصرية)؛ وصدرت ترجمته
الفرنسية في العام 1970 بعنوان البناء مع الشعب؛ كما نُشِرَ في العام 1973 بواسطة جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وصدرت
الطبعة المصرية سنة 1989 بواسطة الجامعة الأمريكية في القاهرة؛ أما الترجمة العربية، شبه الكاملة، فقد ظهرت في العام 1991 بعنوان
عمارة الفقراء.
يقول فتحي في مقدمة كتابه: "أهدي كتابي هذا للفلاحين، وأودُّ لو كان من المستطاع أن أتوجَّه إليهم مباشرة، كي يتمكنوا من قراءته والحكم
عليه [كان معظم الفلاحين المصريين إن لم يكن كلهم، في منتصف القرن العشرين، من الأميين]. على أنه ينبغي، في الوقت الحالي، أن أتوجَّه
إلى أولئك الذين يقرِّرون مصائرهم، ويعملون على رفع مستوى معيشتهم، وهم المهندسون المعماريون والمخططون، وعلماء الاجتماع والإناسة،
والرسميون المحليون والقوميون والدوليون الذين يهتمون بالإسكان وبرفاهية الريف. كما أتوجَّه إلى السياسيين والحكومات في كلِّ مكان، وإلى
كلِّ من يعمل على تحديد السياسة الرسمية تجاه الريف."
وسياسة تنمية الأرياف تعني، في ما تعنيه، معالجة مشكلة رئيسية يتعرض لها الريفيون وتنعكس، بشكل أو بآخر، على أنماط سكنهم
وعمارتهم، وهي مشكلة الفقر. يقول وليام ر. بولك، رئيس معهد أدلاي ستيفنسون للشؤون الدولية، في مقدمة كَتَبَها لإحدى طبعات كتاب
حسن فتحي: "هناك مليار فرد على الأقل سوف يموتون موتًا مبكرًا ويعيشون حياة موقوفة النمو بسبب الإسكان المشوَّه وغير الصحي. وهذه المشكلة ستبقى بلا حلٍّ إذا ما عولجت بالطرق التقليدية. وتمدُّنا لجنة بيترسون، في دراستها التي قدَّمتْها إلى البنك الدولي، بمعطيات تبيِّن أنه لو حدث غير المحتمل وأعطى أغنياء العالم 1% من دخلهم للمساعدة على النهوض بفقراء الكرة الأرضية، فسوف يظل ما يقرب من ثلث سكان العالم يعيشون في مستويات من الفقر الماحق."
إن ما يقترحه حسن فتحي، من خلال أبحاثه وكتاباته ونشاطه العملي، هو شكل جديد من المشاركة. وما ينبغي أن يساهم به الفقراء، في هذه المشاركة، هو بالضرورة عملهم. كما أن لديهم، في أنحاء كثيرة من العالم، إمكانية العثور، بلا تكلفة كبيرة، على مادة بناء واحدة ممكنة، وهي التربة التي تجثو تحت أقدامهم. واستنادًا إلى هذين الشيئين: العمل والتربة، سيكون بإمكانهم إنجاز الكثير. على أن هناك مشاكل أخرى، تقنية في معظمها، لا يستطيعون حلَّها بأنفسهم، أو قد يتم حلُّها، في حال انعدام التوجيه، بطرق مكلفة أو قبيحة وغير سليمة. وهنا يبرز دور المهندس المعماري، الذي سيكون المرشد، في مشروع يعتمد أساسًا على الجهد الذاتي. وتتجلى مهارة المهندس عندئذٍ في مساعدة الناس على الوصول إلى حلٍّ رخيص للمشاكل التي قد تعترضهم.
نذكر هنا، على سبيل المثال، مسألة التسقيف التي هي من أصعب المشاكل التي تبرز في مجال البناء. وقد أدَّت محاولات حلِّ هذه المشكلة، في مناطق كثيرة، إلى خلق سقوف ثقيلة ومرهقة إلى حدٍّ هائل؛ وهي كثيرًا ما كانت تنهار بفعل الزلازل أو الأمطار الغزيرة. وكانت هذه السقوف مسؤولة عن عدد كبير من الوفيات المرعبة التي حدثت في تركيا وإيران ومناطق أخرى نتيجة للزلازل العنيفة. وقد وضع فتحي هذه المشكلة في سلَّم أولوياته خلال عمله على تقنيات بناء مساكن الفلاحين أو الناس الآخرين.
بين الحلم والواقع
كان فتحي، الذي ولد في القاهرة، من محبي الريف المصري منذ صغره. لكنه كان كمن يحب شيئًا لا يعرفه حقًّا، ولم يكن يراه إلا من نافذة القطار خلال رحلاته، مع أهله، من القاهرة إلى الإسكندرية لقضاء إجازة الصيف. أما والده الذي كان يمتلك العديد من الضياع في الريف، فقد كان يتجنب هذا الريف لاعتباره مكانًا مليئًا بالذباب والبعوض والماء الملوث؛ وكان يكتفي بالذهاب إليه، مرة كل سنة، ليلتقي بوكلائه في الأرض ويقبض الإيجار.
بسبب تلك العلاقة الدفينة مع الريف، حاول حسن فتحي الانتساب إلى كلية الزراعة؛ لكنه فشل في امتحان الدخول، فتوجَّه إلى كلية الفنون التطبيقية ليدرس العمارة ولتبدأ، بعد تخرجه، علاقة أخرى بالريف. كانت أولى زياراته لبيوت الفلاحين محبِطة، إذ فوجئ بالظروف المعيشية السيئة لهؤلاء الناس: "لم تكن لديَّ، حتى ذلك الوقت، أية فكرة عن القذارة المخيفة والقبح الذي يعيش فيه الفلاحون في عزبة. شاهدت مجموعة أكواخ من الطين منخفضة، مظلمة، قذرة، بلا نوافذ ولا مراحيض، ولا حتى مياه نظيفة." وقد حلَّت هذه الصورة لديه مكان الصورة الأولى للجنَّة الريفية التي كان يرسم صورها في ذهنه، وهو خلف نافذة القطار.
بعد هذه الانطباعات المتناقضة، طرح فتحي تساؤلاً منطقيًّا: كيف يمكن لأيِّ فلاح مصري يملك فدانًا واحدًا من الأرض أن يبني منزلاً خاصًّا به، في حين يعجز صاحب الأرض الميسور، الذي يملك أكثر من مئة فدان، عن تحمُّل كلفة بناء منزل؟ ورأى أن الإجابة البسيطة عن هذا التساؤل تكمن في قدرة الفلاح على بناء بيته، بنفسه، من الطين أو من الطوب الذي يستخرجه من الأرض ويجففه في الشمس. وقد شكَّلت هذه الإجابة حلاً للمشكلة المطروحة؛ إذ خلال سنين وقرون كان الفلاح يستثمر، بحكمة وروية، مادة البناء الظاهرة. وهذه الحكمة لم تَرِدْ في برامج التعليم الحديثة التي تدفع الطلاب إلى استعمال المواد المصنَّعة العالية الكلفة، التي قد تعتبر فكرة اللجوء إلى الطين ضربًا من الهزل. ولا شك في أن بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة ولا تلبي حاجات الراحة العصرية؛ لكن ذلك ليس نتيجة لخطأ في مادة البناء بحدِّ ذاتها، بل لضعف في التصميم وحسن الاختيار. ففي حال توفرت إمكانات التخطيط، التي يفتقدها منزل الفلاح، يمكن ساعتئذٍ تعميم المسألة، بحيث تُبنى منازل الفلاحين والمُلاَّك من المواد ذاتها وتتوفر، في الحالتين، شروط الراحة والذوق الجمالي.
صنع فتحي عدة تصاميم لبيوت ريفية من طوب اللبن، وأقام في العام 1937 معرضًا في المنصورة ثم في القاهرة، حيث ألقى محاضرة عن تصوره للبيت الريفي. وقد أتت هذه المحاضرة بالثمار المطلوبة، إذ أتيحت له عدة فرص للبناء حسب نظريته الخاصة. كان أصحاب الطلبيات من الميسورين الذين وعدوا أنفسهم ببيوت جميلة وغير مكلفة. وقد سار تنفيذ المخططات على ما يرام إلى أن بلغت مرحلة بناء السقف، حيث تبين أن اللجوء إلى الخشب كعنصر دعم سيزيد من التكلفة وسيعيد الأمور إلى نقطة الصفر. وباءت محاولات الاستغناء عن الدعامات الخشبية بالفشل، إلى أن استعان فتحي ببنَّائين من منطقة أسوان، بعدما كان قد رأى بيوتًا هناك، خلال رحلة قام بها في العام 1941، وقد بنيت قبابها من طوب اللبن من دون استعمال أية دعامة خشبية. وقد قام البنَّاؤون، الذي ورثوا هذه التقنية عن أجدادهم، بهذا العمل بسرعة مدهشة وبدون أية أدوات هندسية، وجاءت النتيجة على درجة عالية من الدقة أدهشت فتحي الذي وجد فيها حلاً لمعضلة شائكة.
سرقة مقابر تتسبب في مشروع سكني
تقع القرنة على الضفة الغربية للأقصر فوق أنقاض مدينة طيبة القديمة، في مكان يحدُّه وادي الملوك من الشمال ووادي الملكات من الجنوب ومقابر النبلاء في الوسط، على سفح التل المواجه للأراضي الزراعية. وقد بنيت القرية على موقع مقابر النبلاء، ويسكنها حوالى 7000 فلاح في بيوت تتوزع على مجموعات تحيط بالقبور القديمة. وكان هؤلاء يعتاشون من إرث الماضي، بكلِّ ما في الكلمة من معنى؛ فقد اجتذبتْهم إلى هذه المنطقة قبورُ أجدادهم الأغنياء، وهي التي مثلت القاعدة الصلبة لاقتصادهم الذي اعتمد أساسًا على نهب تلك القبور الحافلة بأشياء ذات قيمة أثرية كبيرة. أما الأراضي الزراعية التي تحيط بهم فلم تكن لتكفي حاجاتهم المعيشية، إضافة إلى كونها ملكًا لعدد قليل من أثرياء المُلاَّك الزراعيين.
لكن سكان القرنة، الذين تحولوا مع الوقت إلى لصوص مقابر محترفين، ألحقوا الكثير من الضرر بتلك المقابر بعد نبشها بطريقة عشوائية، بحيث صار لزامًا على مصلحة الآثار أن تجد حلاً لتلك المشكلة. وقد أصدرت مراسيم تقضي بنزع ملكية الأرض من الفلاحين، لكنها بقيت حبرًا على ورق؛ فتنفيذ تلك المراسيم كان من شأنه أن يخلق مشكلة أخرى: نقل سبعة آلاف فرد من هناك والتعويض عليهم بعد إيجاد مكان آخر لهم. لكن هؤلاء، حسب كلام حسن فتحي، "لن ينالوا من المال ما يكفي لشراء أراضٍ جديدة وبناء بيوت جديدة. وحتى لو تم تعويضهم بسخاء فانهم سينفقون النقود في اتخاذ مزيد من الزوجات، وبهذا سيصبحون مشردين بلا أرض ولا مال". وكان الحل الوحيد هو إعادة تسكينهم؛ لكن الاقتراح كان باهظ التكلفة.
في ذلك الوقت، خطرت فكرة الاستعانة بحسن فتحي، على نحو مستقل، لكلٍّ من عثمان رستم، مدير قسم الهندسة والحفريات، وم. ستوبلير، مدير قسم الترميم في مصلحة الآثار. وكان الاثنان على علم بنماذج فتحي وتصاميمه التي طُبِّقَت في بناء بيوت الجمعية الملكية الزراعية في القاهرة في العام 1937، وبيت الهلال الأحمر؛ وقد تركت طريقة استعمال مادة البناء، ورخص كلفة استخدامها، لديهما انطباعًا جيدًا. وبالتالي فقد اقترح كلٌّ منهما على الأب درايتون، المدير العالم لمصلحة الآثار، الاتصال بفتحي بشأن قرية القرنة الجديدة، فوافق درايتون على الاقتراح بعد معاينته المباني التي نفذها المهندس. ونتيجة لذلك أتيحت الفرصة لفتحي كي يحقق حلمًا كان يراوده منذ وقت طويل.
كان مشروع القرنة بالنسبة لفتحي عبارة عن تجربة ومثال في آنٍ واحد، وكان يأمل أن تتحول تلك القرية إلى نموذج يُحتذى في عملية بناء الريف المصري بكامله؛ كما كان يأمل أيضًا أن يتلمس عامة الناس إمكانية أن يكون المسكن جيدًا ورخيصًا، اعتمادًا على قاعدة "ابنِ بيتك بنفسك".
وفي سعيه لنقل المعلومات والخبرة إلى بنَّائي المستقبل، الذين سيؤدون العمل بأنفسهم، كان عليه أن يشرع في بناء القرية بدءًا من العنصر الأساسي: تراب الأرض، وأن يهتم بأصغر التفاصيل العملية ويوضح كيفية القيام بها، إضافة إلى تقدير كلفتها. وكان على الفلاحين العمال أن يصنعوا الطوب بأنفسهم، وأن يحفروا الطين ويستخرجوا الجير ويقطِّعوا الحجارة؛ وهم يقومون هنا بكل المهام التي يعهد بها عادة، في معظم المشاريع المماثلة، إلى مقاولين محترفين.
المشروع المتعثر
لكن الأمور لم تجرِ تمامًا بحسب ما أراده فتحي لأسباب عديدة، أبرزها الطابع البيروقراطي للسلطات المصرية المسؤولة التي لم تفِ بتعهداتها المالية من أجل تمويل بناء القرية الجديدة وفقًا للجدول الزمني الموضوع أساسًا؛ وكان التأخير في صرف الأموال اللازمة من أجل شراء بعض المواد، التي لا يمكن استخراجها من الأرض، أو لدفع أجور العمال، سببًا في إعاقة تقدم المشروع. أما الأسباب الباقية فيتعلق معظمها بطبيعة الفلاحين أنفسهم؛ إذ رفض بعضهم ترك القرنة القديمة التي تمثل بنيتها التحتية "منجمًا أثريًّا"، أي مصدرًا اقتصاديًّا؛ ولم يتفهَّم بعضهم الآخر طبيعة المشروع ومعناه المعماري والثقافي.
كلُّ هذه الأسباب أدَّت، مجتمعة، إلى تأخير كبير في تنفيذ المخطط الأساسي الذي وضعه فتحي، بحيث سار التنفيذ على مراحل ثلاث امتدت ما بين أعوام 1945 و1948. ثم توقف العمل ولم يكتمل بناء القرية أبدًا، مما دفع بفتحي إلى نوع من الإحباط جعله يقول: "لم تكن القرنة بالنسبة لي هدفًا في ذاتها، وإنما هي خطوة تجريبية على الطريق إلى تجديد الريف المصري. [...] إلا أن تجربة القرنة أصابها الفشل، ولم تكتمل القرية قط؛ وهي، حتى يومنا هذا، لم تصبح مجتمعًا قرويًّا مزدهرًا. ولن يكون من الصحيح الافتراض أن المبادئ التي وضعناها ستنجح بشكل أوتوماتيكي عند تطبيقها. وفي نفس الوقت فإني لن أكون منصفًا لنفسي، ولا لبلدي، لو بقيتْ هذه المبادئ مدانة أو مرفوضة بسبب فشل المحاولة الأولى لتطبيقها."
ويمكن طبعًا أن نتفهم خيبة أمل حسن فتحي: فقد وضع لنفسه أهدافًا كبيرة، وكان أيُّ إخلال بجزء من ذلك "الحلم" يعني، بالنسبة إليه، فشلاً ذريعًا. ولكن، من ناحية أخرى، يجب اعتبار ما تمَّ تنفيذه من قرية القرنة الجديدة إنجازًا على جانب كبير من الأهمية. أما ما اعتبره فتحي فشلاً، فهو، بالنسبة لنا، أشبه بالنجاح النسبي، غير المكتمل، في مهمة صعبة ومعقدة.
الأسلوب اللغز
بعد مشروع القرنة، أي في الخمسينيات، غادر حسن فتحي مصر لفترة من الزمن نحو مدينة أثينا – وهي فترة محاطة بالألغاز، غاص المهندس خلالها في بحر النظريات الإنسانية الشمولية الملتصقة، بشكل أو بآخر، بموضوع المسكن. وسيُنتِج، في تلك المرحلة، هندسة ذات وجه عالمي لا تشبهه تمامًا؛ ثم سيعود إلى مصر وإلى خطِّه الأساسي كي يباشر، في العام 1967، ببناء قرية جديدة في باريص، في واحة الخارجة، حيث سيعمد إلى استعمال طرق طبيعية للتهوية (الملقف)، من أجل حماية المباني من درجات الحرارة المرتفعة. لكن، في هذه المرة أيضًا، توقف العمل في المشروع في منتصف الطريق، وعاد فتحي بعدها إلى تصميم الفيلات، كقصر موناستيراكي في القاهرة، الذي استلهم في تصميمه قصور البوسفور، وبيت فؤاد رياض في الجيزة.
بيت
في العام 1980 تلقى فتحي دعوة من التجمع الإسلامي في أبيكيو، في نيومكسيكو (الولايات المتحدة الأمريكية)، لبناء دار الإسلام. وسيعود هناك إلى تقنياته المعهودة. لكن المشروع لم يكتمل؛ إذ لم ينفَّذ منه سوى المسجد. وقد أجبرت الظروف المناخية القاسية والأمطار الموسمية، إضافة إلى الشروط القاسية للبناء في أمريكا، حسن فتحي على تغطية القباب بطبقة "جلدية" خاصة لحمايتها من الانجراف أو التفتت. كما أن تقوية الأساسات زاد من حجم الكلفة المخصَّصة سلفًا للمشروع، مما ساهم في "هرب" المقاولين السعوديين، أصحاب المشروع. وبرغم ذلك، فقد وقفت المجموعة المعمارية العالمية إلى جانب حسن فتحي، فنال الجائزة الخاصة لمؤسسة الآغا خان نظرًا لإسهاماته في عمارة العالم الإسلامي، وهي واحدة من علامات التقدير الكثيرة التي حصل عليها خلال مسيرته؛ إذ كان قد نال أيضًا الجائزة الوطنية للفنون والآداب في القاهرة في العام 1969، إضافة إلى جوائز أخرى.
ونتذكر حسن فتحي اليوم كذاك المهندس الفريد، صاحب الرؤية الجديدة، الذي ترك تأثيرًا واضحًا على أجيال كاملة من المعماريين، وكذاك الإنسان الشاعر والمفكر الإنساني، صاحب الأسلوب الذي سيبقى لغزًا، أو أسطورة ربما، تدور أحداثها في "قصر من رمال"!
*** *** ***
عن السفير، 16/5/2003
هندسة معمارية جديدة تصلح للأغنياء والفقراء
إستراحة السادات

عمل من أعمال حسن فتحي يعُد حسن فتحي من أبرز المعماريين المصريين في القرن العشرين. فهو الذي اعاد الإعتبار لفن البناء بالطوب اللبن، والمنتشر في قرى ومدن العالم الثالث. متحف فرانكفورت للهندسة المعمارية يقدم معرضا لرسومه. تقرير إنغبورغ فلاغة
كان حسن فتحي يؤمن بالمسؤولية الاجتماعية للمهندس المعماري وكرس حياته لها. وقد أنفق كل ما اكتسبه، من بناء العديد من الفيلات الفاخرة لعملائه الأغنياء، في بناء بيوت وقرى للفلاحين الفقراء. وكان هؤلاء هم الزبائن الذين خدمهم بالفعل، حيث يقول عنهم:
"إن الزبون الذي كان يهمني يظهر كنموذجا بين الـ 800 مليون الذين تقول عنهم الاحصائيات أن البشر في العالم الثالث مكتوب عليهم الموت مبكرا لأنهم يعيشون تحت ظروف سيئة. وهذا هو الزبون الذي يجب على المهندس المعماري خدمته، ولكن المهندسين المعماريين لا يعيرون هؤلاء الفقراء اهتماما. فهم مثل الأطباء الحفاة في الصين، والفقراء يحتاجون أيضا إلى مهندسين معماريين حفاة".
عمارة من الطوب
ولد حسن فتحي في الاسكندرية عام 1900، وتُوفي عام 1989، ويعد أشهر المهندسين المعماريين المصريين في القرن العشرين. ولا يكاد يكون معروفا في ألمانيا، ولم يكن مرغوبا فيه مدة حياته في بلده، ولكن بعد خمسة وعشرين عاما من وفاته نجد الذين عرفوه ما زالوا شغوفين به وبقدراته الخارقة وحسه المعماري.
إن عمارة حسن فتحي كانت غالبيتها فقط من الطوب اللبن، وكانت على قدر عال من الجمال والتصميم المعماري الذي يشبه النحت، والأسقف المتينة، والفناءات الأنيقة، والنوافذ ذات القضبان التي تسمح بدخول أشعة الشمس. وقد أعطى الأبنية نوعا من الحيوية من خلال النوافذ الزجاجية أو الخشبية التي تتحكم في الضوء الداخل إلى الباحات والفناءات، كما في المدارس والجوامع والمسارح والأسواق والمصانع.
وأشد ما يعجب المشاهد الأوروبي من تصميمات المهندس فتحي المعمارية أشكالها الكبيرة المجردة، التي تبدوا في ظاهرها غريبة ومثيرة. فالطين يساعده على تشكيل المعالم الانسيابية وتموّج خطوط ذات جاذبية حساسة. ويكمن وراء ذلك يقينه بأن "طريق القواعد مستقيم وطريق الجَمال متعرج".
وقد اتبع هذا المبدأ في أحد مشروعات القرى الرائعة المسمى "القرنة الجديدة"، حيث خرج عن القواعد الهندسية المحكمة ورسم شوارع منسابة وحارات منحنية برقّة. وبهذا خلق جوا مليء بالزوايا الجديدة للرؤية أثناء التجول فيها.
التراث الفرعوني وقدسية المكان
وكانت أهم انجازات المهندس حسن فتحي هي إعادة استخدام طريقة البناء التقليدية بالطوب اللبن – التي أصبحت مبادئها في طي النسيان - في فن العمارة المصرية الحديثة. واستطاع عن طريق الاستعانة ببنائين من النوبة أن يحيي عصر النهضة في تقنية بناء البيوت بالطوب اللبن وتسقيفها بالقبب والأقبية، وطبقها في مشروعات في مصر والسعودية والهند واليونان.
ومن القرى رفيعة المستوى التي بنيت بالطوب اللبن "قرية دار السلام" في نيومكسيكو بالولايات المتحدة الأمريكية. وهذه القرية المنخفضة في مقابل ساتر الجبال الشاهقة تعتبر أفضل برهان على قوة تحمل التقنية المعمارية للمهندس فتحي إذا ما طبقها الانسان وأحبها واعتني بها.
وأخفقت مباني المهندس فتحي في مصر لأن السلطات امتنعت عن التعاون معه، واعتبر زملاؤه - الذين تربوا في أوروبا وكانوا على علم بما يسري في العالم – فنه المعماري رومانسي وغير ملائم للعصر. أما زبائنه فكانوا في سبات وغير مؤهلين لاستيعاب أفكاره الحديثة.
إهانة في الوطن
لقد اعتبر المهندس فتحي - الذي ينتسب إلى عائلة عريقة - نفسه عضوا في سلسلة طويلة من المعماريين الذين تأصلوا في الاسلام وملزمون بالحفاظ على تقاليد البناء العربي. وهو من محبي جميع البلدان والشعوب، حيث يرى أن العالم كله وطنه، وأصبح معلما روحيا يوقره الناس. ولكن أستاذ المعمار المصري هذا - الذي أثرى فن البناء العربي - لم يحظ في بلده إلا بالإهانة والرفض.
وعلى الرغم من أنه درس الهندسة المعمارية في القاهرة بأسلوب غربي، إلا أنه لم يستطع – مثل الحضارة الأوروبية الحديثة – أن يقطع علاقته بالماضي كلية، ولم يكن على اقتناع بوجود طراز معماري عالمي. وقد كان المعمار بالنسبة له مرتبطا بالمكان والتقاليد وليس منتجا موحدا ولا بالكمية.
وكان كمهندس معماري يعتبر نفسه مرصدا للزلازل، وليس هو الذي يجد التصميم المعماري، بل الأماكن والمعايير والنسب هي التي تجده. ويقول: "توجد عند الفراعنة هندسة مقدسة، والأماكن لها أثر شافٍ، وهذه أسرار لا بد من استعادتها".
ولم تكن أبنية المهندس فتحي هي أهم إنجازاته فحسب، بل وأيضا قدرته على صياغة الصور والخيالات وعلى احتضان مبادئ البناء المصرية التي تبلغ من العمر قرونا وأن يظهر التقاليد التي كانت موجودة ولم تحظ بالاعجاب بعد.
وتظهر في نقوشه الرائعة – التي استخدمها بدلا من الرسومات الهندسية – اقتباسات من علم الآلهة عند قدماء المصريين إلى جانب البيوت المكعبة الشكل عديمة الجمال. فنجد قرية "القرنة الجديدة" يحرسها حتحور على شكل بقرة وأوزيريس على شكل شجرة جميز.
عمارة الفقراء
وكان حسن فتحي في حياته محام صبور ودؤوب مع الفقراء، ولا يرجع هذا لأنه كان يعتبر أبنيته المعمارية كفنّ بنائي اجتماعي فقط، بل لأنه كان مقتنعا أن المعمار يساعد على تحسن ظروف المعيشية للبشر، ويقول: "في البيت الجميل تجد الأرواح الفرصة للنمو والتحلق في السماء."
وقد صاغ في كتابه "عمارة الفقراء" الذي صدر عام 1969 قواعد يوجهها لكل مهندس معماري، حيث يقول: "لا ينبغي النظر إلى التصميم المعماري للفقراء على أنه علاج من مرض خطير. إن الموضوع يدور حول هندسة معمارية جديدة تصلح للأغنياء والفقراء على السواء، ومن المؤسف أن يحرم الفقراء من مزايا الجمال، لأن الفقر يرتبط في أذهان الناس بالقبح، وهذا من الخطأ. فكلما كان المشروع رخيصا، كلما تطلب عناية فائقة بما يوحي بالجمال".
بقلم إنغبورغ فلاغة
ترجمة عبد اللطيف شعيب
صدر المقال في صحيفة فرانكفورتر روندشاو
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005
تاريخ الصدور 25.02.2005 - التغيير الأخير 02.03.2005
حلم فيلسوف المعماريين حسن فتحي
تبخّر بين قريتين
«القرنة» تحولت إلى «خربة»
القاهرة: سوسن بشير
رغم أن إحياء تراث المعماري الفذ حسن فتحي بمقدوره أن يغير حياة الكثيرين، إلا أن الرجل نبذ بطريقة لا يمكن فهمها، ليس فقط أن الجامعة طردته من مناهجها، لكن حتى القرية التي اقامها بنفسه وأرادها نموذجاً حياً لنظريته في البناء، عبثت بها أيدي الخراب. فهل يمكن أن يكون اغتيال فكر حسن فتحي مجرد صدفة؟
«القرنة: قصة قريتين» هو العنوان الأصلي الذي اختاره شيخ المعماريين الراحل حسن فتحي للكتاب الذي وضع فيه فلسفته في البناء، وقد كتبه بالإنجليزية ونشرته وزارة الثقافة المصرية في طبعة محدودة جداً عام 1969، والعنوان الشائع للكتاب «عمارة الفقراء» كان من اختيار «جامعة شيكاغو» التي نشرت الكتاب عام 1973، ومن بعدها «الجامعة الأميركية» في القاهرة عام 1989. ثم تصدى لترجمته للعربية تحت نفس العنوان الشائع د. مصطفى إبراهيم بدوي، وصدر في عدة طبعات منها طبعة مكتبة الأسرة في «الهيئة العامة للكتاب»، فترسخ في الذهن أن عمارة حسن فتحي كانت للفقراء دون غيرهم. وعندما تعددت البيوت التي صممها حسن فتحي في المدن العربية المختلفة وكان منها لأمراء وأثرياء، كانت هذه نقطة النقد التي تناولها، من لم يتفهموا نظريات حسن فتحي. المعماري الذي لقب بشاعر العمارة، وشيخ المعماريين وفيلسوفهم، وألقاب أخرى تؤكد فرادته.
كان لا بد ونحن نتحدث عن فتحي في ذكرى ميلاده الخامس بعد المائة (ولد عام 1900 وتوفي عام 1989)، أن نعود لأطروحته، لنتفهم أن العمارة للفقراء كانت جزءاً أساسياً من فلسفة لها بعد شمولي عام.
فقد توجه فتحي في البداية لفلاحي العالم ومالكي الأراضي أيضاً، ووضع نظرية تتسم بالعدل بين أجزائها، أثبتت نجاحها لاحقاً في الريف والصحراء والمدن الجديدة، وطبقت أفكاره، بعد رحيله في غير مكانها. يقول فتحي في مؤلفه: «هذا الكتاب دعوة لموقف جديد لإصلاح الريف. إن مستوى المعيشة بين فلاحي العالم الفقراء، فقراً مدقعاً، هو ما يمكن رفعه بواسطة البناء التعاوني، الذي يتطلب تناولاً جديداً... وهذا التناول فيه ما هو أكثر من خالص الأمور التقنية... فهناك مسائل اجتماعية وحضارية ... وهناك المسألة الاقتصادية، وعلاقة المشروع بالحكومة، ولا يمكن أن تترك أي من هذه المسائل... والصورة الشاملة ستتشوه بحذف أي منها».
سقف للجميع
وحينما وضع حسن فتحي «الطوب اللبن» كأمل وحيد لإعادة بناء الريف، فهو الطوب الذي يُحفر من الأرض ويُجفف في الشمس، ويظل مادة بناء متوفرة، تأكد له أنه الحل لمشكلة السكن، خاصة بعد أن ذهب في رحلة معمارية إلى الأقصر جنوب مصر، وتفحص صوامع قمح الرامسيوم. وهي مخازن طويلة مقبية بنيت من الطوب اللبن منذ 3400 عام، وبدت له كمادة تتحمل تحملاً جيداً. ومن هنا نشأت فكرة أن يكون الطوب اللبن للجميع، فيقول فتحي «في كل عشة وكوخ متداع في مصر، كانت الإجابة على مشكلتي. فهنا طيلة السنين والقرون ظل الفلاح يستثمر بحكمة وهدوء مادة البناء الظاهرة، بينما نحن بأفكارنا الحديثة... لا نحلم أبداً باستخدام مادة مضحكة هكذا مثل الطين، لعملية خلق جدية للغاية. مثل المسكن.
ولكن لم لا؟ من المؤكد أن بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة و...، ولكن هذا ليس نتيجة خطأ من «الطوب اللبن». فليس هناك ما لا يمكن إصلاح أمره... لماذا لا نستخدم لبيوتنا في الريف هذه المادة... ولماذا ينبغي أن يكون هناك أي فارق بين بيت الفلاح، وبيت المالك؟ هيا نبنيهما معاً من الطوب اللبن، ونصممهما معاً تصميماً جيداً، وسوف يمكن لهما معاً أن يوفرا لمالكيهما الجمال والراحة».
كان جوهر نظرية حسن فتحي، استخدام عناصر البيئة المحيطة في البناء وعدم اللجوء لأي عنصر مستورد، وبالتالي ضمان بناء متوافق مع البيئة، ومنخفض التكاليف. هذا ما يؤكد عليه المعماري المصري د. طارق والي أحد تلامذة حسن فتحي، والذي لا يزال يتحدث عنه بوصفه «حسن بك» احتراماً له، فيقول إن هذا ما كان يطلق علية فتحي «يبني من تحت رجليه»، فقد استخدم الأساس دوماً من الحجارة، تحديداً الحجارة الجيرية، والبناء من «الطوب اللبن»، ثم التسقيف بالأقبية، بالطوب اللبن أيضاً، وبدون استخدام أي مشدات خشبية أو زلط أو اسمنت أو حديد تسليح. وحينما توفر سعف النخيل أمام فتحي أثناء عمله في تصميم وبناء قرية باريس بالواحات الخارجة، استخدمه في التسليح. فقد اكتشف فتحي في رحلاته ان ما يبنى في أسوان هو ما يبنى في الإسكندرية، بدون اعتبار لتغير المناخ والبيئة، لذا حينما كانت تجود عليه البيئة المحيطة بشيء مختلف كان يستخدمه، كاستخدامه للحجر الرملي أحياناً. بينما الناس تعتقد أن فكر فتحي هو الأقبية فقط، ويأخذون عليه بناءه للأغنياء وينسون أنه مهندس يشيّد للجميع، ويطبق نظريته على الكل، فلا يبني إلا بما يقدمه له المكان.
نهج الشيخ إلى اندثار
ويؤكد د. والي على معنى البناء التعاوني الذي هدف إليه فتحي، فقد علم الناس كيفية البناء بأنفسهم، وكان يؤمن بأن عشرة أشخاص معاً قادرون على بناء عشرة بيوت، أما الشخص الواحد فلن يستطيع بناء البيت الواحد، وهذا ما استطاع تحقيقه على أرض الواقع.
ويضيف د. والي «إن عمّال البناء اليوم الذين يتقنون البناء بالطوب اللبن بطريقة حسن فتحي أصبحوا قلة، ويطلبون الكثير من المال، لإقامة البناء الذي هدف فتحي في الأساس أن يكون منخفض التكلفة، وذلك لأن طريقة البناء نفسها آخذة في الاندثار برغم بقاء التجربة حية. كذلك فإن ثقافتنا العامة التي تشجع شعبان عبد الرحيم وتهجر أم كلثوم، لن تكون في سبيل إحياء تراث فتحي للأسف».
وسألت د. والي عن حلم فتحي في البر الغربي بمدينة الأقصر، الذي كتب لأجله كتابه وتمثل في قرية «القرنة الجديدة»، التي بناها لأجل انتقال سكان قرية «القرنة» اليها. هؤلاء الذين كانت بيوتهم فوق مقابر الآثار مباشرة، وكان اقتصادهم بتعبير فتحي ذاته «يعتمد تقريباً اعتماداً كليا على سرقة القبور... وكانوا من أبرع وأنجح اللصوص».
لكن لم ينتقل الأهالي للقرنة الجديدة وتركوها خراباً، سألت د. والي، هل كان السبب الوحيد، هو عدم رغبتهم في ترك بيوتهم التي تبيض ذهباً، واقعاً لا مجازاً، فأجاب بأن هذا كان السبب الرئيسي، لكن هناك أسباباً أخرى، غير متاجرة أهل القرنة في الآثار قبل صدور قانون الآثار، مثل كون أهل القرنة جبليين اكثر مما هم زراعيون، وكان من الصعب عليهم التحول تماماً لمجتمع زراعي. كما أن القرنة الجديدة أقيمت قبل بناء السد العالي، مما كان سيعرضهم للفيضان سنوياً. فالمسألة بالنسبة لهم لم تكن مجدية على المستوى الاقتصادي نهائياً، ولم يكونوا مستعدين لتغيير نمطهم العمراني والاجتماعي. وأكد د. والي على أن فكر فتحي كان يحارب أيضاً، لأنه فكر جديد ومختلف، فلم تعط له الفرصة ليقنع الناس بما أتاهم به.
الجامعات طردته من رحمتها
أما لماذا لا يدرس الأسلوب المعماري لفتحي في كليات الهندسة إلى اليوم، فأجاب د. والي «نظرياً لا يوجد ما يمنع تدريس أسلوبه، خاصة أنه نجح كما رأينا في الريف والصحراء والمدن الجديدة، بل وتطبقه الآن القرى السياحية الترفيهية، أي في غير ما قصده فتحي إطلاقاً. لكن المناهج في كليات الهندسة مستوردة في حقيقة الأمر، جميعها مناهج وأساليب غربية. والمهندسون لدينا يتخرجون ليطبقوا ما تعلموه فقط، أي نحن نحتاج لكسر هذه الحلقة المغلقة. ولدينا ما يسمى بسيكولوجية الأستاذ، فمن يدرس بطريقة لا يوجد لديه أي استعداد لأن يصبح تلميذاً من جديد».
وربما ما سكت عنه د. والي، هم أولئك الذين يربحون من وراء مصانع الإسمنت وحديد التسليح، ولا يريدون لفكر فتحي أن ينتشر فتبور سلعهم ويشفى الناس من أمراض الرئة. أما القرنة الجديدة التي بناها حسن فتحي في الأقصر، فقد شاهدت مبانيها التي شوهتها الأجيال الجديدة التي سكنتها، ولم تتدخل الحكومة التي تحدث فتحي عن دورها قبلاً، بشيء قط، فمنها ما تم هدمه تماماً واستبداله ببناء حديث بالطوب الأحمر والإسمنت وخلافه، ومنها ما احتفظ مالكوه بالأسوار الخارجية فقط ، أو بالطابق الأول في افضل الأحوال، ثم بنوا فوقه بعد إزالة الأقبية، ولم يتبق غير المسجد وقصر الثقافة، والسوق القديم المهجور إلا من الجمعية الزراعية، وبيت أو بيتين، يشهدان على حلم شيخ المعماريين الذي تبخر في الهواء.
روابط لبعض مشاريع حسن فتحى:
مشروع منزل عقيل سامي
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5161
قرية دار السلام بامريكا
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=1683
مدرسة فارس بمصر
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5181
فيلا المناستريلي
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5142
المعهد العالي للفنون الشعبية باسوان
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=5136
قرية القرنة الجديدة بمصر والتي تعتبر من اهم اعمالة
http://archnet.org/library/images/t...ocation_id=1547
صور لقريه القرنه الجديده:

