النيل وكوبرى قصر النيل ، ذلك الكوبرى الذى ربما لا تدرك معالمه اثناء النهار حيث الضوضاء والصخب الصادر من المارة ، وسائل المواصلات المختلفة التى كادت أن تهوى به فى مياه النيل
حتى يأتى الليل فتقل الحركه ، تتبدل الأوتوبيسات والميكروباصات المكتظة بالحناطير المزدانة بشتى الألوان فى إنتظار ضيوف الليل المقاعد الخضراء ، بائعى الكولا والفل
و عم عبده
واحد على باب الله كما يقول ممن يمثل له الكوبرى وليله مصدر رزقه الوحيد ، صاحب ألذ ( دره مشوى فى الصيف ) .. أطعم ( بطاطا ) فى برد الشتا
كان يحبه الجميع بل ربما يجيئون ليبتاعوا منه دون سواه ومن بين هؤلاء
كانت ( هى )
لم يكن لم يعرف لها إسما ، لكن طالما إعتاد رؤيتها مع صديقاتها ليل كل خميس ، لم ينساها ابدا ، كانت بوجهها البرئ هنا و شعرها المنسدل وراء ظهرها فى ضفيرة ملامسة خصرها كانت تعيده إلى بلدته بخضرتها و خيرها و جمال فتياتها الربانى
كانت تعشق النيل ، فكثيرا ما تجلس أمامه بالساعات تناجيه ويناجيها مغشياً عليهما الليل بسكونه و كأن ثلاثتهم يحوى أسراراً لا يمكن لأحد أن يعرفها ، ولا عم عبده نفسه الذى لم يمل من ترقبها بين الحين و الاخر
كانت كتب (صلاح جاهين) هى رفيقها الحقيقى رغم احاطة صديقاتها بها
هذا ما لاحظه أيضاً عم عبده
فبالرغم من بساطة مظهره وجلبابه الواسع الذى يبدو و كأنة متوارثاً أباً عن جد ,إلا إنه مكث فى مراحل التعليم حتى السنة الثانية من التعليم الإعدادى , عندها ثقل الحمل و اكتفى الأب من العلم الذى ناله الإبن الأكبر عند هذا الحد , قرر أن يصحبه معه إلى الغيط ليعينه و يشاركه المسئولية
ولكن يبدو أن نداء المدينة كان أقوى
ويترك عم عبده بلدته بخضرتها و صفائها ليطحن على أسفلت المدينة التى كادت أن تنفجر بسكانها ، ولكن مازلت (هى) ببرائتها و ضفيرتها تلك تشعره بأنه لم يبعد كثيراً
و لكن
دوام الحال من المحال ، تبدلت تلك الصحبة من قريناتها بشخص لم يرتح عم عبده لرؤيته منذ الوهلة الأولى ، وتبدلت هى الأخرى ، صار الوجه أكثر شحوباً رغم ما كساه من ألوان ، أصبح الشعر قصيراً ليصبح على آخر صيحة !!!!
نعم .. (لقد قصت الضفيرة) .. لم يكن يصدق عيناه , لم تكن مشكلة (الضفيرة المفقودة)
بل كانت
(البراءة المفقودة)
و اقتربا منه ذات مرة ليشتريا (البطاطا الساخنة) التى اعتادت على تذوقها كل مرة تأتى فيها إلى الكورنيش ، وأحمر وجه عم عبده غضباً حتى كاد أن يخرج نيراناً من أذنيه ، ثم كسر عينيه إلى قطعة البطاطا الضخمة ليقسمها بسكينتة الحادة إلى نصفين ، واداً أن يضع سماً قاتلاً فى قطعة هذا الشاب الآثم !!!!
و بالفعل انقسمت قطعة البطاطا و لكن يده هى الأخرى كادت أن تقسم معها حتى سال الدم منها
فصاح الشاب :" اااايه يا عم , مش تحاسب , جرحت إيدك "
فبسط عم عبده يده مناولاً إياه البطاطا قائلا:
" لمؤاخذة " ولم يتمالك نفسه فانتقل ببصره سريعاً إليها وإزداد وجهها هو الاخر حمرة ، لم تسطع أن ترفع عيناها و كأنها تبحث عن برائتها المسلوبة ، وأخذ عم عبده يكمل حديثه فى لوم ناظراً إليها " ربنا يستر على ولايانا "
فاستطرد الشاب: (والله !!! طب ياريت توفر نصايحك لنفسك .. وابقى اربط ايدك بدل ما تلوث بضاعتك "
و يرد عم عبده : " صحيح .. معااك حق "
وتمر الأيام ويأتي عم عبده كل ليلة من ليالي البرد القارص باحثاً عن ضالته المنشودة ، ليراها قد عادت من جديد إلي وحدتها ممسكة بكتاب ( لصلاح جاهين) وإلي أنيسيها .. الليل والنيل ، ليست تلك المرة مناجاة بل شكوي ، وما كان كتابها هذا إلا وعاء يحوي دموعها المنهمرة من عينيها الصغيرتين حتي يمتلكها اليأس من قدوم رفيقها الجديد ، فتذهب في إنكسار ، ويعود عم عبده لينظر إلي السماء قائلا :
" استر علي ولايانا يا رب "
حتي جاءت الليلة الموعودة ، جاء بعربته ليراها جالسة علي نفس وضع أمس ، و كأنها لم تغادر المكان ، وتروح الناس وتغدو وعم عبده ما زال يلوح برأسه يميناً تارة ويساراً تارة حتي يتمكن من رؤيتها فيراها كما هي ، شيئاً واحداً أخذ في ازدياد ، البكاء ، نعم البكاء ، بكت حتي سكنت ، ربما نضب معين الماء ، ربما إستعادت الهدوء مرة أخري مع عودته إلي المكان حيث غادر المارة ليأووا إلي فراشهم في هذه الليلة القاتلة ، وكذا عم عبده ، أخذ يلملم بضاعته وهم بجر عربته ، ولكن ما زالت (هي) جالسة ، لم تبك نعم ، لكنها لم تغادر ، فاستجمع شجاعته متوجهاً إليها قائلاً في صوت حان :
" مش هتقومي بقي يا بنتي .. الفجر قرب يطلع .. الدنيا برد عليكي "
فأجابته في صوت خافت حزين :
" حاضر يا عم عبده .. ميرسي كتر خيرك "
ويعود عم عبده إلي عربته متقدماً إياها ليجرها وراءه في صوت بعث فيها شيء من الأمان وسط قسوة عارمة كادت تقضي عليها .. وينقلب الجو مكشراً عن أنيابه فيأتي الرعد ليهز كيانها المتبعثر من جديد ، يسبقه برق خاطف ثم ، المطر ،مطر غزير
ويأتي النهار وتحاول الشمس عابسة أن تنشر نورها وسط ضباب كثيف ، ربما تبدد ظلمة ذاك الليل الدامس .. لكن هيهات !!
وينقضي هذا النهار المزعم ، ليكمل الليل دورته ، ويأتي عم عبده مهرولاً بعربته باحثاً بعينين متلهفتين عن (هي ) ، ليطمئن عليها ويري كيف قضت ليلها الحزين هذا ، حتي اقترب من المكان المألوف ، لكن لم يجدها ، بل وجدهم!!!
تجمهر من الناس ، منهم من يتهامس ومنهم من يضرب كفا بكف ، تتوسطهم عربة الإسعاف بصوتها المزعج ، ويندفع عم عبده مزيحاً كل من يجده أمامه حتي وقف متجمدا في مكانه
نعم وجدها ، لكنها هذه المرة ساكنة ممدة علي الحامل مغمضة العينين وكأنها في سبات عميق ، سبات لن تفيق منه أبداً ،نعم ماتت (هي)
" لأ ..لأ استنوا واخدنها فين "
"يا ........يا......"
ويحيط به زملاؤه من الباعة قائلين " وحد الله يا عم عبده .. دا أهلها هنا من ساعة ما فتحنا .. بيسألوا عنها هنا وهناك .. لحد ما اتسمروا في مكانهم لما لقوا كتابها هنا ومالقوهاش .. طلبوا البوليس وبعد ساعات من تفتيشهم بالمراكب وسط النيل لقوا جثتها حادفها التيار بعيد !! "
وسرعان ما تأتي صورة الولد وهو يتحدث مع عم عبده إلي ذهنه فأخذ يصيح قائلا
" حسبي الله ونعم الوكيل ..حسبي الله ونعم الوكيل "
ثم نظر حوله ليجد أناسا يبدو من شدة تأثرهم أنهما أبواها ، وبجوارهم طفلة صغيرة علي ما يبدو أنها أختها ، كانت شديدة الشبه بها ، نفس الوجه المستدير الذي يشع براءة ونضرة ، وتلك الضفيرة الممتدة حتي خصرها ، فاندفع إليها صائحاً
" أوعي تفكي ضفيرتك "
ثم التفت إلي أبويها
" سامعين .. أوعوا تسيبوها تفك ضفيرتها "
وبينما كان في هذيانه هذا لمح كتابها الذي كان معها ليلتها ، ملقي علي مقعدها ، فاندفع إليه متحسسا المقعد وكأنه لم يصدق بعد أنه لن يراها ثانية ، ثم نظر إلي الكتاب ليتمتم بتلك السطور
جه الشتا وقفل الببان ع البيوت
وشعاع الشمس أصبح خيط عنكبوت
وحاجات كتير في الشتا ماتت
لكن حاجات أكتر في الشتا
بترفض تموت
:::::::
بقلم
د. داليا السيد
دار ليلى للطباعة والنشر