بدأت الخيوط الذهبية بالظهور , تخترق تلك النافذة الحزينة , و العصافير تبكي تغرد ذلك اللحن الحزين , و قطرات الندى على الزهور دموعا تنعى ذلك اليوم الكئيب .
تجلس بقربه , و تدفن رأسه في صدرها , صدرها للذي يخفي قلبها المحطم على فلذة كبدها و وحيدها . و تعود بذاكرتها الى الماضي , لقد كان صغيرا , صغيرا جدا اكثر من ان يستطيع استيعاب ما حصل .
طرق عنيف على باب الدار , ايقظهم جميعا حتى طفلها الصغير البريئ , خرج زوجها ليرى من هناك و هو يقول : يا ساتر يا رب , فتح الباب فوجد مجموعة من الجنود ينبث الشر من عيونهم الحقيرة
- لماذا لا تسرع في فتح الباب "عرب كلاب "
لقد احتاج لجهد عجيب حتى يمنع نفسه من ان يركله خارجا و يغلق الباب لكنه قال : ماذا تريدون منا ؟!
- معكم حتى يوم غد لاخلاء المنزل
- لماذا ؟!
- ستقام هنى مستوطنة جديدة , وسنهدم هذا المنزل " ثم بدأ يضحك و يقهقه "
كان ذلك الجواب الاذع بمثابة صفعة له , قفز الدمع الى عينيه , لم يتمالك نفسه , قفز و انهال عليه ضربا ولكما , فاجأ تصرفه الجنود , فما كان بوسعهم لكتم رعبهم الا استخدام اسلحتهم , فوجهوا اسلحتهم نحوه و أفرغو اصقليات كاملة في صدره .
انها تذكر ذلك تماما , و كأنه شريط يعاودها كل حين , كبر طفلها و تجرع سم لحياة حانقا على أولئك اللذين قتلوا والده و هدموا منزله و احتللو ارضه و أبكو أمه .
حاولت قدر امكانها ان تحافظ عليه , ان تكسب سندها الوحيد في الحياة , ولكن هيهات ان تستطيع اخماد تلك الثورة و الحقد المكبوت في صدره , كانت تجلس كل صباح عند خروجه , يتناوبها هاجس العودة محمولا على الأيدي , لكنه دائما كان يأتي سالما فتحمد الله و تشكره الى ان جاء اليوم الموعود .
انطلقت كالسهم عندما رأته على الاكتاف : ولدييييييييييييييييييي يا ولدييييييييييييييييي !
جاءها صوت: لا تقلقي يا خالة ما زال ينبض بالحياة .
اسرعت الخطى تركض وراء الراكضين و أخذت تتحسس جسده الثائر و الدموع تنهال من عينيها , عاودها الماضي الاليم شريط الذكريات الحزين .
و بينما هي في دوامة الذكريات , تعالى أزيز الرصاص في الخارج مع صوت الآلات المكبل بها لابن البطل , اتجه الطبيب و الممرضات بسرعة نحو الغرفة , صرخت : ماذا هناك ؟! نظرت الى آلة تخطيط القلب حتى صفرت معلنة النهاية .
قامت اليه تضمه وتحضنه و تبكي و تولول :
ولديييييي .... يا فلذة كبدي .... يا نور عيني و ضياء روحي .... كيف سأعيش من دونك يا قلبي ... لا اعتراض على قضائك يا رب بالامس زوجي و اليوم ولدي .
و غابت الشمس تلوح من بعيد , منتظرة اشراقة يوم جديد على ارض حرة مستقلة .