من مصدر موثوق الاشاعات الجديدة
تأليف: فيرونيك كامبيون ـ فانسان جان ـ برونو رونار
الناشر: بايوت ـ باريس 2002
الصفحات: 390 صفحة من القطع المتوسط
فيرونيك كامبيون فانسين باحثة فرنسية في مجال العلوم الاجتماعي حيث تعمل استاذة جامعية في باريس، بينما يقوم المؤلف الاخر جان برونو رونار بتدريس مادة علم الاجتماع في جامعة مونبلييه.. سبق للمؤلفان ان نشرا معا كتابا تحت عنوان «الاساطير المدينية: اشاعات اليوم».
من مصدر موثوق: الاشاعات الجديدة» كتاب يبحث كما يدل عنوانه في آليات تكون الاشاعات ونشرها في الحقبة الراهنة، وذلك عبر محاولة الرد على مجموعة من الاسئلة مثل «ماهي الاشاعة»، «كيف تولد؟»، «كيف تنتشر؟»، «لماذا نعتقد بها؟»، «ماهي وسائل التعرف عليها».
كان المؤلفان قد ناقشا في كتابهما الأول حول «الاشاعات» تحت عنوان «الاساطير المدينية» «الصادر قبل عشر سنوات، كيفية انتشار الاشاعات في سياق الحياة الحديثة وهما يعودان في هذا العمل الجديد لمناقشة نفس الموضوع مع الاخذ بعين الاعتبار اثار التقدم التكنولوجي الجديد، وخاصة ثمرات ثورة المعلوماتية على رأسها شبكات الانترنت على آليات تكون الاشاعات و رواجها.. حيث ان ميزتها الاولى باستمرار هي انها «مجهولة المصدر» ومتعددة الاشكال بنفس الوقت. كما انها «محبكة الصنع» لكنها «كاذبة» او «مشكوك بها» مع ذلك تتم روايتها باستمرار على أساس انها تعبر عن حقيقة «في اطار اوساط اجتماعية محددة تكون معنية بها بالدرجة الاولى بحيث انها تعبر عن «مخاوفها» او «تطلعاتها».
تتوزع مواد هذا الكتاب في عدة فصول جرى تصنيفها تبعا لـ «العائلات» التي تنتمي لها الاشعات من زاوية تركيزها على « اهتمامات مختلفة» او على «مجموعات مصالح». هكذا تتوزع الاشاعات على مجالات «الخوف الغذائي» او «البعد التقني» او «الاشاعة الانترنت» او «العنف المديني» أو «الجنس» أو «ميادين الحياة اليومية»، وهذه كلها عناوين لفصول في الكتاب، وحيث اراد المؤلفان، كما يشيران في مقدمتهما للكتاب ان تغطي دراستهما للاشاعات جميع اشكال «خوف» او «تطلع» المجتمعات الغربية الحديثة.
ويقوم مؤلفا هذا الكتاب من موقعهما كباحثين في ميدان علم الاجتماع ـ السوسيولوجيا ـ بدراسة الاصول التاريخية لبعض انماط الاشاعات مثل تلك الصادرة عن الاطفال، الذين يكشفون اسرار ما يجري في منازلهم، وكما يقال عندنا ما معناه «تعرف على أخبارها من صغارها».
هكذا مثلا سرت في فرنسا في نهاية عقد الثمانينيات الماضي اشاعة مفادها ان المذيع التلفزيون الشهير «جاك مارثان» الذي كان يقدم ضمن برامجه ليوم الاحد برنامج يستضيف فيه الاطفال، قد وجه سؤالا لطفلة صغيرة طلب فيه سبب تناولها لـ «سندويتش» يوم الاربعاء. يوم العطلة المدرسية «فما كان من الطفل الا ان اجابته قائلة: «لان والدتي تمضي قيلولة بعض الظهر يوم الاربعاء مع عمي» وتضيف الاشاعة بأن «الكاميرا» تحولت عندها نحو الجمهور حيث بدا وجه الام منقبضا، بينما نشبت مشاجرة بين الاب والعم، أكد البعض بأنهم قد شاهدوا الحادث على شاشة التلفزيون، لكن الاشاعة كلها كانت مجرد «اشاعة» لا اساس لها من الصحة وانها كانت قد سرت اولا في الولايات المتحدة الأميركية ثم في ايطاليا.. وكانت مثل هذه الاشاعة قد ترددت خلال القرون الوسطى واصبح لها «بذورها» في المخيلة الغربية.
وهناك اشاعات اخرى كثيرة يتم التعرض لها مثل تلك التي تحدثت عن امرأة جففت قطتها بعد غسلها في فرن التموجات الحرارية ـ ميكروويف او مثل التي عرفتها فرنسا واوروبا عام 1999 حول وجود «زجاجات كوكاكولا مسمومة». ان عدد الاشاعات التي يتعرض عالما الاجتماع لدراستها يقارب المئة وثلاثين اشاعة تم التطرق لمحاولة التعريف باصولها وبقنوات انتشارها حيث انها تتوصل في بعض المرات الى «اختراق» عدة قارات.. مثلها في ذلك مثل «الامثال الشعبية».
ان المؤلفين يؤكدان على الدور الكبير الذي رافق سرعة انتشار الاشاعات بعد وصول شبكات «الانترنت» التي حملتها «بعيدا وبنفس اللحظة» تقريبا. هكذا يتم الربط بين الاشاعة و«سياقها التاريخي» وحيث يبدو ان «الحداثة هي نفسها موضوع للقلق وتحمل في طياتها مخاطر انطلاق الاشاعات على قاعدة امكانيات انحراف السلطة ووسائل الاعلام».
لكن ما هي الاسباب الحقيقية التي تجعل جميع البشر تقريبا ومهما اختلفت مشاربهم الفكرية ومستوياتهم العلمية والتربوية، بل ومهما كانت درجة الحذر والشك لديهم بما يقدم لهم من معلومات، كانوا قد اعتقدوا ذات يوم بصحة هذه الاشاعة او تلك؟! بل وكيف بدا لهم مضمونها صحيحا ومثيرا للانتباه ومهماً وفي نهاية الامر ضروريا؟ على مثل هذه التساؤلات يجيب المؤلفان ـ الباحثان الاجتماعيان، بأن لمثل هذه الاشاعات وظائفها الاجتماعية كالتعرض «بطريقة ملتوية» لمشكلة اجتماعية حقيقية او الكشف عن معلومة مدهشة.. او ربما لـ «تنشيط المخيلة الجماعية».
لكن بكل الحالات يتم التأكيد بأن الوظيفة الاساسية للاشاعات تكمن في محاولة نقل «رسالة اخلاقية» وفي اغلب الاحيان تكون «اخلاقية هذه الاشاعات ومغزاها وحكمتها ذات طبيعة محافظة.. مثل التعبير عن الخوف من التقنيات الجديدة..او الخوف مما هو اجنبي وغريب او من جعل العادات اكثر تحررا.. وبالمحصلة «الخوف من اي تغيير اجتماعي».
الاشاعات تملأ العالم.. وغالبية البشر يعتقدون بصحتها.. رغم زيفها. فلماذا؟ كتاب يبحث عن اجابة.